فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 297

وروى الإمام الحافظ ابن الجوزي في: «تبصرته» بسنده عن أبي يعقوب النهرجوري قال: رأيتُ في الطواف رجلًا بِفردِ عَين وهو يقول في طوافه: «أعوذ بك منك» ، فقلت له: ما هذا الدعاء؟ فقال: إني مجاور منذ خمسين سنة، فنظرت إلى شخص يومًا فاستحسنته، فإذا بلطمة وقعت على عيني فسالت على خدِّي، فقلت: آه، فوقعت أخرى، وقائل يقول: لو زدتَ لزدناك.

)المقام الثالث): في نُكاتٍ لطيفة، وأخبار ظريفة، تتعلق بما نحن بصدده:

ذكر الإمام ابن القيم في كتابه: «روضة المحبين ونزهة المشتاقين» عن الإمام الحافظ ابن الجوزي أنه قال: بلغني عن بعض الأشراف أنه اجتاز بمقبرة، وإذا بجارية حسناء كأنها البدر أو أسنى، وعليها ثياب سود، فنظر إليها فعلقت بقلبه، فكتب إليها:

قد كنتُ أحسب أن الشمس واحدة والبدر في نظري بالحسن موصوف

حتى رأيتكِ في أثواب ثاكلة سود وصدغك فوق الخد معطوف

فَرُحتُ والقلبُ مني هائم دَنِفٌ والكِبدُ حَرَّى ودمعُ العين مذروفُ

رُدي الجواب ففيه الشكر واغتنمي ... وصْل المحب الذي بالحب مشغوف

ورمى بالرقعة إليها، فلما رأتها كتبت:

إن كنت ذا حسب زاكٍ وذا نسب ... إن الشريف بغض الطرف معروف

إن الزناة أناس لا خلاق لهم ... فاعلم بأنك يوم الدين موقوف

واقطع رجاك لحاك الله من رجل ... فإن قلبي عن الفحشاء مصروف

فلما قرأ الرقعة زجر نفسه، وقال: أليس امرأة تكون أشجع منك، ثم تاب ولبس مدرعة من الصوف، والتجأ إلى الحرم، فبينما هو في الطواف وإذا بتلك المرأة عليها جبة من صوف، فقالت له: ما أليق هذا بالشريف؛ هل لك في المباح؟ فقال: قد كنت أروم هذا قبل أن أعرف الله وأحبه، والآن قد شغلني حبه عن حب غيره، فقالت له: أحسنْتَ. ثم طافت وأنشدت:

فَطُفْنَا فلاحَت في الطوافِ لوائحٌ غُنينا بها عن كل مرأى ومسمع

وجاء فيه أيضًا: أن الحسن بن زيد قال: وَلَّينا على بلاد مصر رجلا، فوجد على بعض عماله، فحبسه وَقَيَّده، فأشرفت عليه ابنة الوالي فهويته، فكتبت إليه:

أيها الزاني بعينيه وفي الطرف الحتُوفْ

إِن تُرِدْ وصلًا فقد أمكنكَ الظبيُ الألوفْ

فأجابها الفتى:

إن تَرَيني زانيَ العينينِ فالفرجُ عفيفْ

ليسَ إلا النظرُ الفاتِرُ والشعرُ الظريفْ

فكتبت إليه:

قدْ أردناكَ فألفيناكَ إنسانًا عفيفا

فتأبَّيْتَ فلا زِلتَ لقيديكَ حليفا

فكتب إليها:

ما تأبَّيتُ لأني كنتُ للظبيِ عَيوفَا

غيرَ أني خِفْتُ ربًا كان بي بَرًّا لطيفا

فذاع الشعر، وبلغت القصة الوالي، فدعا به فزوجه إياها، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت