* ذلك عرضٌ موجز لما جاء في شأن الحجاب في كتاب «تحرير المرأة» ... لـ «قاسم أمين» . يتضح منه منهج المؤلف في التوفيق بين الإسلام وبين مذاهب الغربيين، وهو يعرض من خلال كلامه لبيان المضار الناشئة عن الجهل والحجاب. فالمرأة التي تبيع جسدها ليست مدفوعة بالشهوة، ولكن الذي يدفعها إلى ذلك هو الجهل والعجز عن كسب قوتها من طريق شريف والنقص الذي نشاهده في أخلاقنا، وما أصابنا من فتور وقلة اكتراث، وما ابتلينا به من بلادة في الإحساس، وفي تذوق الجمال، كل ذلك إنما هو ناشئ من نقص تربيتنا الأولى التي تقوم عليها الأم، والتعليم وحده لا يكفي في نظر «قاسم أمين» لتكوين المرأة تكوينًا سليمًا يجعل منها أداة صالحة للقيام على الأولاد وعلى تكوين الرجال، فلا قيمة للقراءة إذا لم تؤيدها التجربة والمشاهدة.
ولذلك فهو ينادي برفع الحجاب، لأن حجاب المرأة في منزلها يحبسها في هذا العالم الضيق، ويحول بينها وبين العالم الحي، عالم الفكر والحركة والعمل، ويجعلها لا ترى ولا تسمع ولا تعرف إلا ما يقع في عالمها الضيق من سفاسف الأمور.
* ولا يخلو الكتاب من تهكُّمٍ بما يسميه: «جمود رجال الدين» «ص / 153» .
من هذا العرض يبدو واضحًا أن الكتاب ليس كتاب فقه، وأن صاحبه ليس فقيهًا يعرض لشرح النصوص الإسلامية شرحًا نزيهًا ليستنبط منها، ولكنه كتاب مُوَجَّهٌ لخدمة فكرة معينة يحاول المؤلف أن يُسَخِّرَ النصوص لخدمتها. لذلك جاء كتابه مملوءا بالمغالطات، سواء كان ذلك في تفسير الآيات القرآنية، أو في النصوص التاريخية والفقهية، أو الأدلة العقلية. وهذا الاتجاه الذي يفسر النصوص تفسيرًا جديدًا مخالفًا لكل ما هو ثابت متواتر في تفسيرها هو جزء من اتجاه عام تزعمه الشيخ «محمد عبده» متذرعًا إليه بالدعوة إلى فتح باب الاجتهاد، الذي زعم أن الفقهاء قد أغلقوا بابه. وهو يدعو إلى الملاءمة بين الإسلام وبين الحضارة الغربية.
* وقد أثار كتاب «تحرير المرأة» موجة من المعارضة كان أكثرها مقالات صحفية، وليس فيها من الكتب إلا كتاب «تربية المرأة والحجاب» لـ «محمد طلعت حرب» ، الذي اقترن اسمه من بعد بشؤون الاقتصاد والمال [1] .
* وقد أحسَّ «مصطفى كامل» «1874 ـــ 1 08» م بخطر هذه الدعوة الآثمة، وما تحمله في طيَّاتها من تَحَدٍّ لمشاعر المسلمين، خاصة وأن وراءها أيدٍ بريطانية تحرك أصحابها للجهر بهذه الآراء، فسارع إلى مقاومتها، وعقد اجتماعا في «5 شعبان 1317 هـ الموافق 18 سبتمبر / أيلول 18» م ... عقب صدور كتاب: «تحرير المرأة» قال فيه: «إني لست ممن يرون أن تربية البنات يجب أن تكون على المبادئ الأوربية، فإن في ذلك خطرًا كبيرًا على مستقبل الأمة. فنحن مصريون، ويجب أن نبقى كذلك، ولكل أمة مدنية خاصة بها. فلا يليق بنا أن نكون قردة مقلدين للأجانب تقليدا أعمى بل يجب أن نحافظ على الحسن من أخلاقنا، ولا نأخذ عن الغرب إلا فضائله، فالحجاب في الشرق عصمة وأيّ عصمة، فحافظوا عليه في نسائكم وبناتكم، وعلموهن التعليم الصحيح. وإن أساس التربية التي بدونه تكون ضعيفة ركيكة غير نافعة .. هو تعليم الدين» [2] اهـ.
(1) الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر 1/ 273 ــــ 282، بتصرف واختصار.
(2) الحركات النسائية في الشرق وصلتها بالاستعمار والصهيونية العالمية ص / 16 ــــ 17.