وذات مساء حضرت إلى صالون الأميرة كما حضر الشيخ «محمد عبده» و «محمد بيرم» ... و «المويلحي» .. وبعد قليل تحدث الشيخ «محمد عبده» مع الأميرة في هذا الشأن .. فالتفتت إليَّ سموُّها وقالت لي: إنها لا تجد بأسًا في الكتابة في الموضوع ... وكانت هي لم تقرأ الكتاب، ولم تعرف أنه يشمل الطعن فيما تدعو إليه .. فلما رأى ذلك «محمد المويلحي» قال لسموها: إنه يدهش من طلب الأميرة، وخاصة لأن الكتاب تعرَّض لها .. فبدت الدهشة عليها، وكانت إحدى نسخ الكتاب موجودة عندها وعبثا حاولت أن أقفل باب الحديث في هذا الشأن، وخاصة بعد أن لمحت عليها معالم الاضطراب والجد والعنف .. فلما اطلعت على ما جاء به ثارت ثورة شديدة، ووجهت القول بعنف إلى الشيخ «محمد عبده» ، لأنه توسط في هذا الموضوع.
ومرَّت الأيام بعد ذلك، واتفق «محمد عبده» و «سعد زغلول» «والمويلحي» ، وغيرهم على أن يتقدم «قاسم أمين» بالاعتذار إلى سمو الأميرة .. فقبلت اعتذاره، ثم أخذ يتردد على صالونها .. وكلما مرت الأيام ازدادت في عينه، وارتفع مقامها لديه .. وإذا به يضع كتابه الأول عن المرأة الذي كان الفضل فيه للأميرة «نازلي» ، والذي أقام الدنيا وأقعدها بعد أن كان أكثر الناس دعوة إلى الحجاب» [1] ... .
? الدور الثاني: أما الدور الثاني للشيخ «محمد عبده» فيتمثل في مشاركته الفعلية في إعداد بعض فصول الكتاب، وأخص بالذكر المباحث الفقهية منه، كالحجاب، وتعدد الزوجات، والطلاق. يقول «داود بركات» رئيس تحرير الأهرام بجريدته الصادرة في 4 يناير / كانون الثاني عام 1 28 م في مقال له يبرز فيه هذا الدور للشيخ الإمام:
«إن قاسم أمين قرأ كتاب الدوق «داركير» : «المصريين» ، وردَّ عليه بكتاب باللغة الفرنسية، وفَنَّدَ اتهاماته .. فلما ظهر هذا الكتاب وصف بأنه لم يكن في صف النهضة النسائية. فقد رفع الكتاب من شأن الحجاب، وعدَّه دليلًا على كمال المرأة؛ كما نَدَّد بالداعيات إلى السفور. وقد رأت فيه الأميرة «نازلي فاضل» تعريضًا بها.
ثم استطرد يقول: وكانت الأميرة «نازلي فاضل» ولها صالون يحضره «سعد زغلول» ، و «محمد ... عبده» ، وجماعة من الطامحين إلى تولي السلطة في مصر تحت قيادة النفوذ البريطاني، وبرعاية اللورد ... «كرومر» .
ويقول «داود بركات» متابعا: «وقد أشير على جريدة المقطم» ــ وهي لسان حال الإنجليز في مصر ذلك الوقت ــ أن تكتب ست مقالات عن الكتاب، تفند أخطاء «قاسم» في هذا الاتجاه، ودفاعه عن الحجاب، واستنكاره اختلاط الجنسين .. ثم أوقفت الحملة بعد اتفاق الشيخ «محمد عبده» و «سعد زغلول» مع «قاسم أمين» على تصحيح رأيه.
وقد حمل الشيخ «محمد عبده» الدعوة إلى تحرير المرأة في دروسه في الرواق العباسي بالأزهر حين أعلن أن الرجل والمرأة متساويان عند الله ...
وقد ترددت آراء كثيرة بأن الشيخ «محمد عبده» كتب بعض فصول الكتاب أو كان له دور في مراجعتها.
(1) مجلة «الحديث» الحلبية عام 1939 م.