وأكبر ما أشكو من القوم أنهم ... يَعُدُّونَ تشديد الحجاب من الشرع
ثم يُشبهُ المرأة بالحمامة، ويعتبر حجب وجهها كنتف ريشها، ومَن كانت كذلك فهل يطيب لها التغريد بعد حرمانها من أعز ما تملك؟!!!
فيقول:
أفي الشرع إعدامُ الحمامة ريشها ... وإسكاتُها فوق الغصون عن السجع
وقد أطلقَ الخلاق منها جناحَها ... وعلَّمها كيف الوقوع على الزرع
فتلك التي ما زلت أبكي لأجلها ... بكاءً إذا ما اشتد أدَّى إلى الصرع [1]
وللرصافي قصيدة أخرى عنوانها: «حرية الزواج عندنا» ، نحى فيها باللائمة على من تمسَّكَ بالحجاب بدعوى الصَّوْنِ والعفاف، واعتبر أن الحجاب الحقيقي للمرأة حياؤها لا نقابها، فقال:
ولقومنا في الشرق حال كلما ... زدتَ افتكارًا فيه زدت تعجبا
تركوا النساء بحالةٍ يُرثى لها ... وقضَوا عليها بالحجاب تعصُّبَا
شرفُ المليحة أن تكون أديبةً ... وحجابُها في الناس أن تتهذبا
والوجه إن كان الحياء نقابه ... أغنى فتاة الحي أن تتنقبا
فالشرق ليس بناهض إلا إذا ... أدنى النساء من الرجال وقرَّبا [2]
ولم يكتف «الرصافي» بهذا، بل أنشأ قصيدة بعنوان: «التربية والأمهات» ، اتهم فيها المجتمع المسلم بقبر البنات قبل الممات، ورمى طباع المسلمين باللؤم لحجبهم النساء، وأثنى على الأعراب الذين تبرز نساؤهم حاسرات بحكم البداوة التي يعيشون فيها، فقال:
لئن وأدوا البنات فقد قبرنا ... جميع نسائنا قبل المماتِ
ولو عدمت طباع القوم لؤمًا ... لما غدت النساء محجبات
وما ضرَّ العفيفة كشف وجه ... بدا بين الأعِفَّاء الأُباة
فدًى لخلائق الأعراب نفسي ... وإن وُصِفوا لدينا بالجُفاة
فكم برزت بحيِّهِمُ الغواني ... حواسرَ غيرَ ما مُتَريِّبَاتِ
وكم خشفٍ بمربعهم وظبي ... يمر على الجداية والمهاةِ
ولولا الجهل ثَمَّ لقلتُ مرحى ... لمن أَلِفوا البداوة في الفلاةِ [3]
ولم يقف «الرصافي» عند هذا الحدّ، بل ترسَّم خطا صديقه «الزهاوي» في معظم ما قال، فاعتبر المرأة مظلومة، مهضومة الحقوق في كل شيء حتى في الميراث، حيث تأخذ نصف نصيب الرجل، فتستدعي الرحمة والإشفاق .. وقد أنشد في هذا:
لم أرَ بين الناس ذا مَظْلِمَة [4] ... أحقَّ بالرحمة من مسلمة
منقوصةٍ حتى بميراثها ... محجوبةٍ حتى عن المكرُمَة [5]
(1) ديوان الرصافي (2/ 340) .
(2) ديوان الرصافي (2/ 347 ــــ 348) .
(3) ديوان الرصافي (2/ 356 ــــ 358) .
(4) مَظلمة»: بفتح فسكون فكسر، ما يطلبه المظلوم من الظالم. إهـ من شرح وتعليق مصطفى علي ... (2/ 359) على ديوان الرصافي.
(5) ديوان الرصافي (2/ 359) .