لهذا قال شيخ الإسلام «مصطفى صبري» رحمه الله تعالى تعليقًا على هذين البيتين: «وهذا من غير شك اعتراض على الله فيما قسمَ بين عباده، وكفر بآياته البينات التي قال فيها: {يُوصِيكُمُ الله فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ} [النساء: 11] اهـ [1]
وقال أيضًا: «والبيت الثاني اعتراض على الله في تقسيم الميراث بين الذكور والإناث. وفي البيت الأول الذي يرى الشاعر المرأة المسلمة ذات مظلمة، وظالمها ــ هو الله ــ لم يرحمها في تقسيم الميراث، وفي غيره من الأحكام الشرعية التي تفترق فيها المرأة عن الرجل في دين الإسلام، وهو يغفل أو يتجاهل أن صاحبات الحظ المساوي في الميراث لحظوظ الرجال من نساء الغرب اللاتي سفرت المرأة في بلاد الإسلام تقليدًا لهن، يحتجن إلى بذل المال في سبيل الحصول على الأزواج تلافيًا للنقصان الطارئ عليهن في ابتذال السفور، في حين أن المرأة قيمة بذاتها في الإسلام، غنية عن مصاريف الحصول على الزوج بما يسمونه: «الدوطة» ، بل الرجل مكلف بالإنفاق عليها عند عقد الزواج وبعده إلى ما شاء الله أن يعيشا عيشة الزوجين. يريد الشاعر أن يكون للمرأة المسلمة أرحمَ من الله الذي يتمدَّح في القرآن بأنه أرحم الراحمين، وفي كل هذا يكفر الرصافي ... » اهـ ... [2]
ولئن كفر «الرصافي» في قصيدته تلك، فقد كان أكثر إيغالًا في الكفر والإلحاد بما ساقه في قصيدته الأخرى التي نظمها تحت عنوان: «حقيقتي السلبية» . فقد كشف فيها عن عقيدته التي لا ترى الأديان قائمة على وحي نزل على الأنبياء، ولكنها من اختلاق قوم دُهاةٍ. يريد أنهم بذكائهم ودهائهم كذبوا على الناس وغرُّوهم وخدعوهم بدعوى النبوة، وزعمِ أن ما أتوهم به كان بوحي من الله!!!
قال:
أحب صراحتي قولًا وفعلًا ... وأكره أن أميل إلى الرياءِ
فما خادعتُ من أحدٍ بأمر ... ولا أضمرتُ حسوًا في ارتغاءِ
ولست من الذين يرون خيرًا ... بإبقاء الحقيقة في الخفاء
ولا ممن يرى الأديان قامت ... بوحيٍ مُنْزَلٍ لِلأَنبياءِ
ولكنْ هنَّ وضع وابتداعٌ ... من العقلاء أرباب الدهاء [3]
ثم ذكر أنه ليس من الذين يعتقدون بعروج الروح إلى السماء، ولا من الذين يصلون ويصومون طمعًا بما عند الله من حسن الجزاء، ولا من الذين يرون فناء الأشياء، فقال:
ولستُ من الأُلى وهِموا وقالوا ... بأن الروح تعرج للسماء
لأن الأرض تسبح في فضاءٍ ... وما تلك السماء سوى الفضاء
ولا مِنْ معشر صلوا وصاموا ... لما وُعِدوه من حسن الجزاءِ
ولا ممن يرون الله يجزي ... على الصلوات بالحور الوضاء
ولا ممن يرى الأشياء تفنى ... بحيث تكون من عدمٍ هواء
ولكن هنَّ في جمعٍ وفرق ... تبدَّلُ منهما صور البقاء [4]
(1) موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين (1/ 290) .
(2) موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين (1/ 290 ــــ 291) .
(3) ديوان الرصافي (1/ 112) .
(4) ديوان الرصافي (1/ 112 ــــ 114) .