أما عروج الأرواح الذي ينكره «فقد استفاضت الأحاديث عن النبي^ بأن الأرواح تُقبض، وتُنَعَّمُ وتُعَذَّبُ، ويقال لها:
اخرجي أيتها الروح الطيبة كانت في الجسد الطيب. اخرجي أيتها الروح الخبيثة كانت في الجسد الخبيث. ويقال لِلأُولَى: أبشري برَوْحٍ ورَيحان، ويقال للثانية: أبشري بحميم وغَسَّاق، وآخر من شكله أزواج. وأنَّ أرواح المؤمنين تعرج إلى السماء، وأن أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «إذا خرجت روح المؤمن تلقَّاها ملكان يصعدان بها. قال حمَّاد: فذكر من طيب ريحها، وذكر المسك، قال: فيقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قِبَل الأرض، صلَّى الله عليكِ وعلى جسد كنتِ تعمرينه، فينطلق إلى ربه، ثم يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل.
قال: وأن الكافر إذا خرجت روحه، قال حمَّاد: وذكر من نتنها، وذكر لعنًا، فيقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قِبَلِ الأرض. قال فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل. قال أبو هريرة رضي الله عنه: فلما ذكر رسول الله ^ النتن ردَّ على أنفه رَيْطةً كانت عليه» [1] ... . اهـ
وأما عدم اعتقاده بفناء الأشياء فهو تكذيب صريح لقول الله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26، 27] ، وهو عين عقيدة الدهرية الذين قالوا ما حكى الله تعالى عنهم: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [الجاثية: 24] .
كما لا يخرج ما قاله عن اعتقاد الطبيعيين الذين لخص الفيزيائي «لاوازييه» عقيدتهم بقوله: «لا يفنى شيء، ولا يوجد شيء من العدم، ولكن يتحول من حال إلى حال «!!!.
ويحق لنا بعد مجاهرة «الرصافي» بعقيدته أن نقول: لقد كفر الرصافي بما قال، وإنه بتلك العقيدة لا يقل إلحادًا ــ إن لم يزد ــ عن ملاحدة [2] المجتمعات الغربية ومارقيها.
هذا مَثَلٌ من أمثلة الحريصين على المرأة، الداعين إلى سفورها، المتباكين عليها، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [الزمر: 21] .
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية (4/ 223) . و «رَيطة» بفتح الراء وإسكان الياء: ثوب رقيق.
(2) راجع تعريفنا للإلحاد فيما تقدم (ص / 525) .