فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 297

كان الأمر في الآية قاصرًا عليهن دون نساء المؤمنين لم يبقَ لحجبهن حكمة ظاهرة، ولهذا كان الحكم شاملًا لغيرهن من باب الأَوْلى.

3 ــ نهى الله تعالى عن دخول بيوت النبي ^ دون إذن، كما نهى عن الدخول قبل نضج الطعام، والاسترسالِ في الحديث بعده لما يؤدي إليه من إيذاء النبي ^. ولا قائل بأنَّ دخول بيوت غير النبي ^ دون إذن، أو إيذاء أهلها جائز في دين الله تعالى.

وقد أشار ابن كثير رحمه الله تعالى إلى هذا العموم بقوله: «حُظِرَ على المؤمنين أن يدخلوا منازل ... رسول الله ^ بغير إذن كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإسلام، حتى ... غار الله لهذه الأمة فأمرهم بذلك، وذلك من إكرامه تعالى هذه الأمة.

ولهذا قال رسول الله ^: «إياكم والدخول على النساء» الحديثَ ... ثم استثنى من ذلك فقال تعالى: {إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} [الأحزاب: 53] » [1] اهـ.

4 ــ ومن ذلك أيضًا: قول الله تعالى: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب: 53] .

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: «قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمَّنها، أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، وتكون في نفس الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول ... ومن أمثلته: قول كثير من الناس إن آية الحجاب ــ أعني قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: 53] ــ خاصة بأزواج النبي ^.

فإن تعليله تعالى لهذا الحكم الذي هو إيجاب الحجاب بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة في قوله: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب: 53] قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم، إذ لم يقل أحد من جميع المسلمين إن غير أزواج النبي ^ لا حاجة إلى أطهرية قلوبهن وقلوب الرجال من الريبة منهن. وقد تقرر في الأصول: أن العلة قد تعمم مدلولها، وإليه أشار في «مراقي السعود» ... بقوله:

وقد تخصصُ وقد تعمم ... لأَصلها لكنها لا تخرم

انتهى محل الغرض من كلامنا في الترجمة المذكورة.

وبما ذكرنا تعلم أنَّ في هذه الآية الكريمة، الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام في جميع النساء، لا خاص بأزواجه ^، وإن كان اللفظ خاصًا بهن، لأن عموم علَّته دليل على عموم الحكم ... فيه. ومسلك العلة الذي دلَّ على أنَّ قوله تعالى: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} هو علَّة قوله ... تعالى: {فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: 53] هو المسلك المعروف في الأصول بمسلك الإيماء والتنبيه. وضابط هذا المسلك المنطبق على جزئياته: هو أن يقترن وصف بحكم شرعي على وجه لو لم يكن فيه ذلك الوصف علة لذلك الحكم لكان الكلام معيبًا عند العارفين.

وعرَّفَ صاحب «مراقي السعود» دلالة الإيماء والتنبيه في مبحث دلالة الاقتضاء والإشارة والإيماء والتنبيه بقوله:

دلالة الإيماء والتنبيه ... في الفنّ تُقصَدُ لدى ذويهِ

أن يُقرن الوصف بحكم إن يكن ... لغير علةٍ يعبهُ من فَطِن

(1) تفسير ابن كثير 3/ 505.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت