بقي علينا أن نؤكد أن عدم خروج السيدة سودة رضي الله عنها من بيتها إلى أن لحقت بجوار ربها مذهب لها، مبنيٌّ على اجتهادها، عملت عائشة وأم سلمة ــ من أمهات المؤمنين ــ اللتان رُويت عنهما الفتوى بخلافه، لاجتهاد آخر لهما في جواز الخروج.
وسودة رضي الله تعالى عنها ــ رغم فضلها وكونها من أمهات المؤمنين ــ لم تذكر ــ ممن رويت عنهم الفتيا ــ في عداد المتوسطين، ولا المقلين، بَلْهَ ذِكرها في عداد المكثرين [1] .
لذا كان مذهب غيرها ممن ذكرنا من أمهات المؤمنين هو الصحيح الذي يُركن إليه، والمعتمد الذي يُعوَّل عليه، لا سيّما وقد كثرت نصوصه وصحت أسانيده، فيرجع عند التعارض.
قال السرخسي رحمه الله تعالى: «وما اختلف فيه الصحابة فقد بيَّنَّا أن الحقَّ لا يعدو أقاويلهم، حتى لا يتمكن أحد من أن يقول بالرأي قولًا خارجًا عن أقاويلهم، وكذلك لا يشتغل بطلب التاريخ بين أقاويلهم، ليجعل المتأخر ناسخًا للمتقدم كما يُفعل في الآيتين والخبرين؛ لأنه لما ظهر الخلاف بينهم، ولم نُجز المحاجَّة بسماع من صاحب الوحي، فقد انقطع احتمال التوقيف فيه، وبقي مجرد القول بالرأي، والرأي لا يكون ناسخًا للرأي، ولهذا لم يَجُزْ نسخ أحد القياسين بالآخر، ولكن طريق العمل طلب الترجيح بزيادة قوة لأحد الأقاويل، فإن ظهر ذلك وجب العمل بالراجح ... » إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى [2] .
وبتطبيق ما قاله السرخسي على مسألة قرار أمهات المؤمنين في البيوت، نجد اختلاف رأيهن فيها.
ــ فذهبت أم المؤمنين سودة رضي الله عنها إلى وجوب ذلك، أخذًا بظاهر قول الله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب: 33] .
ــ وذهبت أم المؤمنين عائشة، وبقية أمهات المؤمنين ــ رضي الله تعالى عنهن ــ إلى عدم الوجوب، للأحاديث الصحيحة التي سقناها، والآثار القوية التي ذكرناها، والتي دلت بمجموعها على خروجهن في أمور كثيرة، غير مفروضة ولا واجبة، من غير نكير يُعرف من أصحاب رسول الله ^.
وتضافر هذه النصوص يدل دلالة قوية على أن الأمر في الآية لغير الوجوب، وبذلك يكون هو الراجح، لقوة أدلته، وسلامتها من المعارض .. والله تعالى أعلم.
(1) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام، لابن حزم 5/ 92 ــ 94.
(2) أصول السرخسي 2/ 112 ــ 113، وانظر: أصول البزدوي مع كشف الأستار 3/ 224 ــ 225، والموافقات للشاطبي 4/ 77 ــ 79 تجد فيه كلامًا يشفي الغليل، فراجعه إن شئت.