يخرجن إلى حج النافلة من غير نكير من الصحابة، مع كونه ليس ضرورة شرعية، إذ سبق لهن حج الفريضة، وما ورد من منع عمر رضي الله عنه أزواج النبي ^ من الحج والعمرة زمن خلافته فقد كان في أول الأمر. فلما كان آخر عام أَذِنَ لهن من غير نكير من الصحابة، فكان ذلك إجماعًا سكوتيًا على الجواز.
قال الآلوسي: «فعُلم أن المراد ــ أي من قول الله تعالى: {وقرنَ في بيوتكن} ــ الأمر بالاستقرار الذي يحصل به وقارهن وامتيازهن على سائر النساء، بأن يلازمن البيوت في أغلب أوقاتهن، ولايَكُنَّ خراجات ولا ولّاجات، طوافات في الطرق والأسواق وبيوت الناس، وهذا لا ينافي خروجهن للحج، أو لما فيه مصلحة دينية مع التستر وعدم الابتذال» [1] . اهـ
وكان الصحابة يستفتونهن وهن مستورات الأبدان لا الأشخاص.
وقد ثبت ــ أيضًا ــ خروج السيدة عائشة ــ رضي الله عنها ــ يوم وقعة الجمل بِنيَّةِ الإصلاح بين المسلمين. فلو كان قرارها في بيتها فرضًا عليها، وخروجها منه يستوجب إثمها لما خرجت، سيَّما وأنها من فقهاء الصحابة؛ بل ذكرها ابن حزم في طليعة السبعة المكثرين منهم، والذين رُويت الفتوى عنهم [2] .
ويكفي في معرفة تضلعها في العلم ما حكاه الزركشي «أنَّ الأكابر من الصحابة كان إذا أشكل عليهم الأمر في الدين استفتَوها، فيجدون علمه عندها. قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: «ما أشكل علينا ــ أصحاب رسول الله ^ ــ حديث قط، فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا» . أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وقال مسروق: «رأيت مشيخة أصحاب محمد ^ يسألونها عن الفرايض» [3] اهـ.
وقال أيضًا: «وقال الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل.
وقال عطاء: كانت عائشة أفقه الناس، وأحسن الناس رأيًا في العامة.
وذكر أبو عمر بن عبد البر رحمه الله: أنها كانت وحيدة عصرها في ثلاثة علوم: علم الفقه، وعلم الطب، وعلم الشعر» [4] اهـ.
(1) روح المعاني (22/ 9) .
(2) انظر كتاب: الإحكام في أصول الأحكام 5/ 92، لتقف على المكثرين من الصحابة فيما روي عنهم من الفتوى، وتقديم السيدة عائشة ــ في ذلك ــ على سائر الصحابة.
ولمعرفة منزلتها ــ رضي الله تعالى عنها ــ في الفتيا، راجع كتاب: «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة» للزركشي رحمه الله تعالى، بتحقيق الأستاذ سعيد الأفغاني، فقد جاء فيه مؤلفه بما يشفي ويكفي. وانظر أيضًا: أصول البزدوي 2/ 377 ــ 378، فقد ذكرها في عِداد من اشتهر بالفقه والنظر وقال عن فقهاء هذا الصنف: وحديثهم حجة إن وافق القياس أو خالفه.
قال شارحه العلامة علاء الدين البخاري: وهو مذهب الجمهور من الفقهاء وأئمة الحديث.
(3) الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ص / 50 ــ 51.
(4) الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ص / 49.