في الحج إباحةَ تكريره لهن كما أباح للرجال تكرير الجهاد، وخُصَّ به عموم قوله ^: هذه ثم ظهور الحصر.
قال ابن بطال: زعم بعضُ مَن يُنَقِّص عائشة ــ رضي الله عنها ــ في قصة الجمل أن قوله تعالى {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب: 33] يقتضي تحريم السفر عليهن، قال: وهذا الحديث، أي قوله ^ «لكُنَّ أفضلُ الجهاد الحج» يرد عليهم، لأنه يدل على أن لهن جهادًا غير الحج، والحج أفضل منه؛ وكان عمر رضي الله عنه متوقفًا في ذلك، ثم ظهر له قوة دليلها، فأذِن لهن في آخر خلافته، وتبعه على ذلك مَن ذُكر من الصحابة ومن في عصره من غير نكير. ثم كان عثمان بعده يحج بهنَّ في خلافته أيضًا.
وقد أخرج البخاري في صحيحه، عن إبراهيم، عن أبيه، عن جده إذنَ عمر رضي الله عنه لأزواج النبي ^ في آخر حجة حجها، فبعث معهن عثمان بن عفان رضي الله عنه. قال الحافظ: وكان عثمان ينادي ألا يدنو أحد منهن، ولا ينظر إليهن أحد وهن في الهوادج، فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشِّعب فلم يصعد إليهن أحد، ونزل عبد الرحمن وعثمان بذنب الشِّعب.
وقال البيهقي بعد تخريج حديث إذن عمر في حجهن، وحديث أبي واقد هذا: في حج عائشة رضي الله عنها وغيرها من أمهات المؤمنين ــ رضي الله عنهن ــ بعد رسول الله ^ دلالة على أن المراد من هذا الخبر وجوب الحج عليهن مرة واحدة، كما بيَّن وجوبه على الرجال مرة، لا المنع من الزيادة عليه، والله أعلم. انتهى.
قال الحافظ: وفيه دليل على أن الأمر بالقرار في البيوت ليس على سبيل الوجوب» [1] اهـ.
وقال الآلوسي رحمه الله تعالى بعد إيراده لقول سودة: «ذلك مبني على اجتهادها، كما أن خروج الأخوات مبني على اجتهادهن» .
ثم قال بعد أن ذكر حديث أبي هريرة عند أحمد، وخروج سائر أزواج النبي ^ للحج إلا زينب: ... «ومن أنصف لا يكاد يقول بإفادة الخبر الأمر بلزوم البيوت والنهي عن الخروج منها مطلقًا بعد تلك الحجة بخصوصها. فإن النبي ^ مرض في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها، وبقي مريضًا فيه حتى توفي عليه الصلاة والسلام.
ولا يكاد يشك أحد في خروج سائرهن لعيادته، أو يتصور استقرارهن في بيوتهن غير بالِّين شوقهن برؤية طلعته الشريفة حتى توفى ^، فإن مثل ذلك لا يفعله أقل النساء حبًا لأزواجهن الذين لا قدر لهم، فكيف يفعله الأزواج الطاهرات مع رسول الله ^ وهو هو، وحُبُّهنَّ له حبهن.
ثم الجواب المذكور إنما يُحتاج إليه بعد تسليم صحة الخبر، ويَحتاج الجزم بصحته إلى تنقير ومراجعة، فلينقَّر وليُراجع، والله تعالى أعلم [2] اهـ.
بعد هذه الأدلة التي أوردتها، والنصوص العلمية التي ذكرتها، ظهر بجلاء أن الأمر بالقرار في البيوت، لا يعني عدم جواز الخروج منها لحاجاتهن بدليل أن زوجات رسول الله ^وو كنَّ
(1) بذل المجهود 8/ 300 ــ 301، وانظر: المنهل العذب المورود 10/ 259 ــ 260، وعون المعبود 5/ 146 ــ 148.
(2) روح المعاني 22/ 12. وقد مرَّ آنفًا عدم صحة خبر سودة، لذا لا حاجة إلى تكلف الجواب عنه. أما حديث: «هذه ثمَّ ظهور الحصر» السابق ذكره فأقل أحواله أنه حديث حسن، وقد تقدم الجواب عليه.