النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ الله وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: 32، 33] .
تلك هي وسائل التطهير التي يُذهب الله تعالى بها الرجس عن عباده، والتي منها عدم التبرج.
وحين ذكر الشهيد «سيد قطب» رحمه الله صور التبرج في الجاهلية، تحدث عن هذا التطهير فقال: ... «هذه هي صور التبرج في الجاهلية التي عالجها القرآن الكريم ليطهر المجتمع الإسلامي من آثارها، ويُبعد عنه عوامل الفتنة، ودواعي الغواية، ويرفع آدابه وتصوراته ومشاعره وذوقه كذلك.
ونقول: ذوقه .. فالذوق الإنساني الذي يعجب بمفاتن الجسد العاري ذوق بدائي غليظ. وهو من غير شك أحط من الذوق الذي يعجب بجمال الحشمة الهادئ، وما يشي به من جمال الروح، وجمال العفة، وجمال المشاعر.
وهذا المقياس لا يخطئ في معرفة ارتفاع المستوى الإنساني وتقدمه. فالحشمة جميلة جمالًا حقيقيًا رفيعًا، ولكن هذا الجمال الراقي لا يدركه أصحاب الذوق الجاهلي الغليظ الذي لا يرى إلا جمال اللحم ... العاري، ولا يسمع إلا هتاف اللحم الجاهر!
ويشير النص القرآني إلى تبرج الجاهلية، فيوحي بأن هذا التبرج من مخلفات الجاهلية التي يرتفع عنها من تجاوز عصر الجاهلية، وارتفعت تصوراته وَمُثلُهُ ومشاعره عن تصورات الجاهلية ومُثلها ... ومشاعرها.
والجاهلية ليست فترة معينة من الزمان، إنما هي حالة اجتماعية معينة، ذات تصورات معينة. ويمكن أن توجد هذه الحالة، وأن يوجد هذا التصور في أيِّ زمان، وفي أيِّ مكان، فيكون دليلًا على الجاهلية حيث كان.
وبهذا المقياس نجد أننا نعيش الآن في فترة جاهلية عمياء، غليظة الحس، حيوانية التصور، هابطة في درك البشرية إلى حضيض مهين، وندرك أنه لا طهارة ولا زكاة ولا بركة في مجتمع يحيا هذه الحياة ولا يأخذ بوسائل التطهر والنظافة التي جعلها الله سبيل البشرية إلى التطهر من الرجس، والتخلص من الجاهلية الأولى، وأخذ بها ــ أول من أخذ ــ أهل بيت النبي ^ على طهارته ووضاءته ... ونظافته» [1] اهـ.
وقال ــ رحمه الله تعالى ــ أيضًا « ... إن هذا الحجاب أطهر لقلوب الجميع: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب: 53] .
فلا يقل أحد غير ما قال الله، لا يقل أحد إن الاختلاط، وإزالة الحجب والترخص في الحديث واللقاء والجلوس والمشاركة بين الجنسين أطهر للقلوب وأعفُّ للضمائر، وأعونُ على تصريف الغريزة ... المكبوتة، وعلى إشعار الجنسين بالأدب، وترقيق المشاعر والسلوك ... إلى آخر ما يقوله نفر من خلق الله الضعاف المهازيل الجهال المحجوبين. لا يقل أحد شيئًا من هذا والله يقول: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب: 53] ...
(1) في ظلال القرآن 6/ 584 ــــ 585، طبع دار المعرفة.