فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 297

يقول هذا عن نساء النبي الطاهرات، أمهات المؤمنين، وعن رجال الصدر الأول من صحابة رسول الله ^، ممن لا تتطاول إليهن وإليهم الأعناق!

وحين يقول الله قولًا، ويقول خَلْقٌ من خَلقِه قولًا؛ فالقول لله سبحانه وكل قول آخر هُراء، لا يردده إلا من يجرؤ على القول بأن العبيد الفانين أعلمُ بالنفس البشرية من الخالق الباقي الذي خلق هؤلاء العبيد!

والواقع العملي الملموس يهتف بصدق الله، وكذبُ المدَّعين غير ما يقوله الله، والتجارب المعروضة اليوم في العالم مصدقة لما نقول، وهي في البلاد التي بلغ الاختلاط الحرُّ فيها أقصاه أظهرُ في هذا وأقطع من كل دليل «وأمريكا أول هذه البلاد التي آتى الاختلاط فيها أبشع الثمار» [1] ... .

2 ــ ومن حِكَم الحجاب صيانة النساء من أذى الفاسقين، والحفاظ عليهن من تعرض المتسكعين.

وقد نص القرآن الكريم على ذلك، فقال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا} ... [الأحزاب: 5] .

ويحكي المفسرون عند هذه الآية أن ناسًا من فساق أهل المدينة كانوا يخرجون بالليل حين يختلط الظلام إلى طرق المدينة فيتعرضون للنساء.

فإن رأَوا المرأة عليها جلباب قالوا: هذه حرة فكفوا عنها، وإلا تعرضوا لها ..

ومن هنا ندرك هيبة الحجاب الذي يصدُّ الفاسقين عن المتحجبات، والوقار الذي يخلعه ذلك الشعار الإسلامي على المؤمنات، فيحفظهنَّ من الأذى، ويقيهن من عوادي السوء، ويصونهن من كيد الأشرار. والمتدبر للآية الكريمة السابقة وما جاء بعدها يدرك أن أولئك الماجنين دخلوا في عموم قول الله تعالى الوارد بعد آية إدناء الجلابيب: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} ... [الأحزاب: 60 ــ 61] .

لقد قرنَ الله تعالى هؤلاء بأولئك، لأن الفاسقين الذين يعيثون في الأرض فسادًا يحطمون أخلاق الأمة، والمنافقين والمرجفين يدمرون نظامها، ويَفُلُّون قوتها.

لهذا حسم الإسلام مادة الشر، ففرض على النساء الحجاب، وحرَّم عليهن السفور والاختلاط، وحافظ على كرامتهن بما شرعه من زواجر تردع الماجنين، وتكف الفاسقين، وتجعلهم تحت مظلة الأدب والوقار والطهر أجمعين.

3 ــ ومن حِكَمِ الحجاب ــ أيضًا ــ إصلاح الظاهر بما يتناسب وما قصد إليه الشارع من صلاح الباطن، ليتم الانسجام التام بين حشمة المظهر وعفة المخبر ..

ذلك أن المرأة المتبرجة التي تبرز محاسنها، وتبدي مفاتنها، امرأة متمردة على ما فطرها الله عليه من الحشمة والوقار المركوزين في النفس بمقتضى الإيمان الذي فطر الله تعالى المخلوقات عليه، والذي يدعو إلى التمسك بالفضائل، ونبذ جميع الرذائل.

وهي مع ذلك تعطي إيماءة واضحة على فساد باطنها. إذ ماذا يمكنك أن تتصور تلك النفس التي تستمرئ إظهار مفاتن الجسد، وتستروح غشيان الشواطئ بعريٍ فاضح؟!! إِنَّ ذلك يومئ

(1) في ظلال القرآن 6/ 608.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت