ولما كان الحياء خيرًا كله فإن عاقبته إلى خير، حيث يحجز صاحبه عن الرذائل، ويسوقه إلى الفضائل، ولهذا قال النبي ^: «الحياء لا يأتي إلا بخير» [1] ... .
إن المرأة التي يدفعها حياؤها إلى ستر مفاتنها، وعدم إبداء زينتها، والاعتزاز بحجابها، والبعد عما يسخط ربها، هي امرأة ربا الإيمان في قلبها وعظم اليقين في نفسها، وتسربلت الخير في عملها. وحياء يدفع لهذا كله لا شك أنه من الإيمان المركوز في فطرة الإنسان. قال النبي ^: «الحياء من الإيمان» [2] ، وفي رواية أخرى: «الحياء شعبة من الإيمان» [3] .
قال الحافظ ابن حجر: «فإن قيل: الحياء من الغرائز، فكيف جُعل شعبة من الإيمان؟ أُجِيب بأنه قد يكون غريزة، وقد يكون تخلقًا، ولكن استعماله على وفق الشرع يحتاج إلى اكتساب وعلم ونية، فهو من الإيمان لهذا، ولكونه باعثًا على فعل الطاعة، وحاجزًا عن المعصية.
فإن قيل: لِمَ أفرده ــ أي البخاري ــ بالذكر هنا، أي في باب أمور الإيمان؟
أجيب بأنه كالداعي إلى باقي الشعب، إذ الَحِييُّ يخاف فضيحة الدنيا والآخرة، فيأتمر وينزجر» [4] اهـ.
والمرأة التي لا تتورع عن الابتذال في ملبسها، ولا تترفع عن إظهار مفاتنها، ثم لا تستشعر تأنيب الضمير حين تفتن الرجال بنفسها، بل تزهو بسيء العمل، ولا يصطبغ وجهها ــ من ذلك بحمرة الخجل، فهذه امرأة فقدت حياءها، ومن ثمَّ فقدت ثمرة إيمانها، وإن استحلت ذلك مع علمها بحرمته فقدت الإيمان نفسه ــ والعياذ بالله تعالى ــ، وصدق رسول الله ^ إذ يقول: «الحياء والإيمان قُرِنا جميعًا، فإذا رفع أحدهما رُفع الآخر» [5] .
(1) أخرجه أحمد 4/ 427، والبخاري (10/ 521 فتح الباري) ، ومسلم (2/ 6 بشرح النووي) والطبراني في الصغير ص / 46، وأبو نعيم 2/ 251، والبخاري في الأدب المفرد ص / 574، والخطيب في تاريخه 11/ 295.
(2) أخرجه أحمد 2/ 56 و 147 و 501، والبخاري (10/ 521 فتح الباري) ، ومسلم (2/ 6 بشرح النووي) واللفظ له، وأبو داود 4/ 252، والنسائي 8/ 121، والترمذي 4/ 365 و 5/ 11 وقال: هذا حديث حسن صحيح، ومالك 2/ 905، وابن حبان (ص / 476 موارد الظمآن) ، والحاكم 1/ 53، والبخاري في الأدب المفرد، وأبو نعيم 3/ 60، والبيهقي في شعب الإيمان كما في الفتح الكبير 2/ 83، والخطيب في تاريخه 4/ 338 و 6/ 192.
(3) أخرجه أحمد 2/ 414، والبخاري (1/ 51 فتح الباري) ، وأبو داود 4/ 219، والنسائي 8/ 110، وابن ماجه 1/ 22.
(4) فتح الباري (1/ 52) .
(5) أخرجه الحاكم (1/ 22) من حديث ابن عمر، وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما فقد احتجا برواته ولم يخرجاه بهذا اللفظ، وأقره الذهبي في التلخيص، وأبو نعيم (4/ 297) إلا أنه قال: غريب من حديث سعيد، تفرد به عنه يعلى، والخطيب في تاريخه (10/ 95) . وأخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ آخر استغنينا عنه لعدم صحته.