فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 189

"وقال الخطابي ما أحسن ما تأول سفيان - يعني ابن عيينة - هذه الآية، واستنبط منها هذه الحكمة، وذلك أن الكلام إذا لم يكن حكمه مطاوعًا لظاهره؛ وجب المصير إلى باطنه وقد أخبر الله عن وجود المماثلة بين الإنسان وبين كل طائر ودابة، وذلك ممتنع من جهة: الخلقة، والصورة، وعُدِمَ من جهة: النطق، والمعرفة، فوجب أن يكون منصرفًا إلى المماثلة في الطباع والأخلاق [1] ."

ثم علق الإمام ابن القيم قائلًا:

والله سبحان قد جعل بعض الدواب كسوبًا محتالًا، وبعضها متوكلًا غير محتال، وبعض الحشرات يدخر لنفسه قوت سنته، وبعضها يتكل على الثقة بأن له في كل يوم قدر كفايته رزقًا مضمونًا وأمرًا مقطوعًا، وبعضها لا تكسب له وبعض الذكور يعول ولده، وبعضها لا يعرف ولده البتة، وبعض الإناث تكفل ولدها لا تعدوه، وبعضها تضع ولدها وتكفل ولد غيرها، وبعضها لا تعرف ولدها إذا استغنى عنها، وبعضها لا تزال تعرفه وتعطف عليه [2] وجعل بعض الحيوانات يتمها من قبل أمهاتها، وبعضها يتمها من قبل آبائها، وبعضها لا يلتمس الولد، وبعضها يستفرغ الهم في طلبه وبعضها يعرف الإحسان ويشكره، وبعضها ليس ذلك عنده شيئًا، وبعضها يؤثر على نفسه، وبعضها إذا ظفر بما يكفي أمة من جنسه لم يدع أحدًا يدنو منه، وبعضها يألف بني آدم ويأنس بهم، وبعضها يستوحش منهم، وينفر غاية النفار منهم، ... وبعضها لا يأكل إلا الطيب، وبعضها لا يأكل إلا الخبائث، وبعضها يجمع بين الأمرين، وبعضها لا يؤذي إلا من بالغ في أذاها، وبعضها يؤذي من لا يؤذيها، وبعضهم حقود لا ينس

(1) الصالحي جمعه على الحمد المحمد: الضوء المنير على التفسير، من كتب الإمام ابن القيم رحمه الله 3/ 21، مؤسسة النور للطباعة والتجليد بعنيزة بالتعاون مع مكتبة دار السلام بالرياض.

(2) ابن القيم، محمد بن أبي بكر: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، الباب الرابع عشر في الهدى والضلال ومراتبهما، ص: 163، دار المعرفة للطبع والنشر والتوزيع - بيروت،1978 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت