هجوم عدو على بلاد المسلمين، فإنه يرى التعاون مع البر والفاجر في صده أو إخراجه، وهنا سؤال للشيخ: هل تحصر هذه القاعدة على هذه الصورة فقط؟ أم أنك ترى جواز ذلك، إذا كانت العلة موجودة، وهي تحقق مصلحة راجحة، أو يغلب على الظن ذلك، وسواء لم يكن في سبيل ذلك مفسدة، أو كان هناك احتمال ذلك، لكن احتمال المفسدة أقل من احتمال المصلحة؟ الظاهر من حال وكلام الشيخ هو الأول، وهنا سؤال آخر: ما هو الدليل الذي يجوِّز هذه دون تلك؟ فإن ذكر دليلًا؛ نظرت فيه، وعملت بمقتضاه -إن شاء الله- وإلا فهذا من التحكم، كما لا يخفى.
وقد قال شيخ الإسلام - كما في"مجموع الفتاوى" (28/ 212) في سياق بيان أن الهجر مشروط بتحصيل المصالح ودفع المفاسد، وأننا لو تركنا العلم الذي عند أهل البدع؛ لاندرس العلم والسنن، ثم قال:"فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب، كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة المرجوحة معه؛ خيرًا من العكس، ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل"اهـ.
8 -ذكر الشيخ أن هذا التعاون من الصعب أو من المستحيل حصوله، فإن كان المراد: أن ذلك شديد على النفس؛ فالنفس محكومة بالشرع، وليست حاكمة، وإن كان مراده أن ذلك صعب أو مستحيل شرعًا؛ فلا بد من إبراز دليله على ذلك، كيف وقد مر بنا حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك، فهل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتكلم عن خيال يستحيل وقوعه؟!، وإن كان مراد الشيخ: أن هذا مستحيل في الواقع؛ فالجواب: أن هذه مجرد دعوى، وكلام العلماء السابقين يدل على عدم هذه الاستحالة، بل الواقع يدفع هذه الاستحالة، مع أنني لم أخص في عبارتي التعاون في الدعوة إلى الله تعالى، إنما أطلقت قولي بالتعاون، وكما أطلقه غير واحد من العلماء، بالتعاون على البر والتقوى، والله أعلم.
9 -ما ذكره الشيخ - أصلحه الله- حول تحريف أهل الأهواء لمعنى البر والتقوى؛ لا يمنعنا من استعمال القاعدة بضوابطها، فإن من جمة الضوابط: أن البر والتقوى يكون بالميزان الشرعي لا بالاجتهاد الحزبي، وقد قلت في الفقرة نفسها، كما في أصل الكتاب قبل الطبع وبعده:"والعمدة في تحديد ذلك على كلام أهل العلم والحلم".ا. هـ.