والقرآن الكريم هو المعجزة العقلية لنبينا - صلى الله عليه وسلم -، ولكن كيف كان القرآن الكريم معجزا؟
بيان إعجاز القرآن: أن حكمة الله تعالى اقتضت أن تكون معجزة كل نبي من جنس ما غلب على أهل زمانه وتهالكوا عليه وتفاخروا به لكثرة اشتغالهم بما يتناسب مع هذه المعجزة ومن المعلوم أن العرب كانوا أساتذة في البيان وأربابا في الفصاحة وقد جاء القرآن الكريم بأسلوب عربي يطلب منهم أن يأتوا بمثله ويتحداهم من جنس ما برعوا فيه إلا أن العرب قد عجزت عن أن تأتى بذلك مع كثرتهم كثرة رمال الدهناء وحصى البطحاء، ومع شهرتهم بغاية العصبية والحمية والجاهلية، وكانت الآيات الدامغة تطالبهم بالتحدي وتحثهم عليه، فطلب الله تعالى أن يأتوا بعشر سور ثم بسورة واحدة إلا أنهم عجزوا.
وقد سجل التاريخ هذا العجز على أهل اللغة في عصر نزول القرآن، وما أدراك ما عصر نزول القرآن؟ هو أزهي عصور البيان العربي، وأرقي أدوار التهذيب اللغوي، وهل بلغت المجامع اللغوية في أمة من الأمم ما بلغته الأمة العربية في ذلك العصر من العناية بلغتها حتى أدركت هذه اللغة أشدها، وتم لها بقدر الطاقة البشرية تهذيب كلماتها وأساليبها .. ولعمري لو كان فيهم لسان يتحرك لما صمتوا عن منافسته وهم الأعداء الألداء وأباة الضيم الأعزاء، وقد أصاب منهم موضع عزتهم وفخارهم ولكنهم لم يجدوا ثغرة ينفذون منها إلى معارضته ولا سلما يصعدون به إلى مزاحمته، بل وجدوا أنفسهم منه أمام طور شامخ فما استطاعوا له نقبا، حتى إذا استيأسوا من قدرتهم واستيقنوا عجزهم ما كان جوابهم إلا أن ركبوا متن الحتوف وتلك هي الحيلة يلجأ إليها كل مغلوب في الحجة والبرهان، وكل من لا يستطيع دفعا عن نفسه بالقلم واللسان [1] .
(1) راجع: محمد عبد الله دراز، النبأ العظيم، القاهرة، دار المرابطين، 1997، ص 104 - 105. و الرازي، أسرار التنزيل وأنوار التأويل، بيروت، دار الجيل، 1992، ص 28.