فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 171

الرسول، وكل من أدرك أن سيدنا محمدًا أمي، وأن القرآن سجل له البلغاء والفصحاء، وتتلمذ عليه العلماء والفلاسفة، وأصلح شئون الحياة بكاملها، وبني حضارة إنسانية يتزايد عمق إيمانه ويقينه بأن محمدًا رسول الله [1] .

يقول الإمام الرازي:"هذا القرآن ممن لم يكتب ولم يقرأ عين المعجزة، فيعرف كونه منزلًا، وقوله تعالى: {إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] فيه معني لطيف وهو أن النبي إذا كان قارئًا كاتبًا ما كان يوجب كون هذا الكلام كلامه، فإن جميع كتبة الأرض وقرائها لا يقدرون عليه، لكن على ذلك التقدير يكون للمبطل وجه ارتياب، وعلى ما هو عليه لا وجهة في ارتيابه فهو أدخل في الإبطال" [2] .

بل أن الإمام الرازي يري أن المحققين من العلماء يذكرون أن كونه - صلى الله عليه وسلم - أميًا بهذا المعني من جملة معجزاته، ويوضح ذلك من وجوه:

الأول ...: ... أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ عليهم كتاب الله تعالى منظومًا مرة بعد أخرى من غير تبديل ألفاظه ولا تغيير كلماته والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فإنه لابد وأن يزيد فيها وأن ينقص عنها بالقليل والكثير، ثم انه - صلى الله عليه وسلم - مع أنه ما كان يكتب وما كان يقرأ يتلو كتاب الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تغيير، فكان ذلك من المعجزات.

الثاني ...: ... إنه لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متهمًا في أنه ربما طالع كتب الأولين فحصل هذه العلوم من تلك المطالعة فلما أتي بهذا القرآن العظيم المشتمل على العلوم الكثيرة من غير تعلم ولا مطالعة، كان ذلك من المعجزات.

الثالث ...: ... أن تعلم الخط شيء سهل فإن أقل الناس ذكاء وفطنة يتعلمون الخط بأدنى سعي، فعدم تعلمه يدل على نقصان عظيم في الفهم، ثم إنه تعالى أتاه علوم الأولين والآخرين وأعطاه من العلوم والحقائق ما لم يصل غليه أحد من البشر، ومع تلك القوة العظيمة في العقل والفهم جعله بحيث لم يتعلم الخط الذي يسهل تعلمه على أقل الخلق عقلًا وفهمًا، فكان الجمع بين هاتين الحالتين المتضادتين جاريًا مجري الجمع بين الضدين وذلك من الأمور الخارقة للعادة وجار مجري المعجزات [3] .

(1) راجع: محمد سيد أحمد المسير، مصدر سابق، ص 37.

(2) الرازي، مفاتيح الغيب، مصدر سابق، 25/ 78.

(3) المصدر السابق، 15/ 25 - 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت