وصحبه من بلده، ها هو يربت على قلوبهم حين تسرع دقاتها، وحين تحملق عيونهم خوفا، بعدما دخلها فاتحا.
وكأنك تسمع خواطر هؤلاء الرجال وهي تتساءل: تُرى ماذا سيفعل بنا؟
لا بد وأنه سيقتلنا كما فعلنا بصحبه، أو ربما يكون أرحم بنا من ذلك وينفينا من أرضنا ويخرجنا منها كما فعلنا به، ويسلبنا أموالنا ويمنعنا من أولادنا.
ربما صب على رؤوسنا الحديد المصهور كما فعلنا ببعض ممن معه.
لا لا. إن محمدا أكرم من ذلك. سيخرجنا فقط!
وبينما تدور المخاوف في رؤوسهم وقلوبهم، إذا بإشراقه وجهه تمحو كل هذه المخاوف حين يسألهم برحمة وحنان:"ما ترون أني فاعل بكم؟"فأجابوه:"خيرًا .. أخٌ كريمٌ وابن أخ كريم". فقال لهم ما قاله يوسف - عليه السلام - لإخوته: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92] .
يا الله، كل هذه الرحمة!"اذهبوا فأنتم الطلقاء" [1] .
قالها لهم وهم الذين حاصروه هو ومن معه ثلاث سنوات، يمنعون عنهم الطعام، وكل ما تسير به الحياة، فمات من مات معه من الصغار والكبار.
وهم الذين حرموه من ابنته حين هاجرت إلى الحبشة هربا من بطشهم.
وهم الذين قتلوا عمه حمزة ومثلوا بجثته وحاولوا أكل كبده.
وهم الذين باتوا يكيدون له ويدبرون له المكائد.
(1) رواه البيهقى في سننه الكبرى.