فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 171

تلك الرحمة بالعابدين ربما تمتد لتكون رحمة بمن يحيط بالعابدين. فربما لا يلتفت العابد إلى بعض الواجبات العائلية أو الشخصية حين ينشغل في غمرة العبادات، فتأتي نسمات رحمة المصطفى لتعلمنا أجمل معاني الرحمة في هذا المشهد الرائع:

عن أبي جحيفة قال: آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء مبتذلة [1] فقال لها: ما شأنك؟

فقالت: إن أخاك أبا الدرداء ليست له حاجة في الدنيا. قال: فلما جاء أبا الدرداء، قرّب طعامًا، فقال: كل فإني صائم. قال: ما أنا بآكل حتى تأكل. قال: فأكل. فلما كان الليل، ذهب أبو الدرداء ليقوم، فقال له سلمان: نم. فنام. فلما كان من آخر الليل، قال له سلمان: قم الآن. فقاما فصليا. فقال إن لنفسك عليك حقًّا ولربك عليك حقًّا وإن لضيفك عليك حقًّا وإن لأهلك عليك حقًّا فأعط كل ذي حق حقه. فأتيا النبي فذكرا ذلك له فقال صدق سلمان" [2] ."

وفي مشهد آخر، تتجلي فيه عظمة رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعابدين. نراه - صلى الله عليه وسلم - يدخل فيجد حبلًا ممدودًا بين ساريتين فيقول لمن هذا الحبل؟ قالوا: إنه لزينب، إن فترت - في الصلاة - تعلقت به. قال - صلى الله عليه وسلم:"حُلُّوه. ليُصل أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر فليقعد" [3] .

هكذا كان رحيما بالمسلمين وهم يتعبدون وهو الذي كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فتقول له السيدة عائشة:"يا رسول الله! أتصنع هذا، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟. فيقول - صلى الله عليه وسلم:"أفلا أكون عبدا شكورا؟" [4] ."

(1) في هيئة رثة.

(2) رواه البخاري.

(3) رواه مسلم.

(4) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت