يقول البستي رحمه الله:"العاقل يلزم الرفق في الأوقات , والاعتدال في الأحوال , لأن الزيادة على المقدار في المبتغى عيب , كما أن النقص فيما يجب من المطلب عجز , وما لم يصلحه الرفق لم يصلحه العنف , ولا دليل أمهر من الرفق والتوسط , كما لا ظهير أوثق من العقل والاعتدال , وفيه يكون الاحتراز وفي الاحتراز تبغى السلامة , وفي ترك الرفق والاعتدال يكون الخرق وفي لزوم الخرق تخاف الهلكة".
فالتوغل في التفكير والتعمق فيه والإبحار في الأحزان والمصائب ونشر ملفات الماضي مذ أن ولدتك أمك وحتى إلى أين المصير في المستقبل , تورث لصاحبها الهمّ والغمّ والنكد والضيق والحزن , وتبقيه في حلقة مفرغة لا يستطيع الخروج منها , وقد كان في غنىً عنها.
وإذا ما أظلَّ رأسك همٌ ... قصِّر البحث فيه كيلا يطولا
والوسواس القهري لا يصيب من أصاب إلاّ بعد التوغل في الأمر والتشدد فيه مع الحرص الشديد المخالف للسنة النبوية الشريفة والتعاليم الإسلامية السمحة.
والذين غلو في الدين العظيم , وعظموا الصالحين وادعوا لهم العصمة , وحرفوا وبدلوا وأشركوا , أو من قاموا بالسب والشتم والتكفير والتنقيص والتكذيب والتحريف , ذلك كله مخالفةً للفطرة السليمة وللعقل المعتدل والفكر النيّر ومن السير باتزان والأخذ باعتدال , فلا إفراط ولا تفريط فلا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء , بل بما أمر الله تعالى به: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) الأنعام-153
والحسد المهلك , فهو إحراق لصاحبه قبل أن يكون إحراق لغيره , فلو ترك صاحبه التوغل في أمور الآخرين والبحث في أحوالهم وتتبع أشغالهم , والتشدد