وطريقة القرآن في مثل هذا، أن يقرن النفى بالإثبات، فينفى عبادة ما سوى الله، ويثبت عبادته، وهذا هو حقيقة التوحيد؛ والنفي المحض ليس بتوحيد، وكذلك الإثبات بدون النفي فلا يكون التوحيد،إلا متضمنًا للنفى والإثبات،وهذا حقيقة لا إله إلا الله 0 [[1] ]
فمعنى النفى فيها: خلع جميع أنواع المعبودات كائنة ما كانت، في جميع أنواع العبادات كائنة ما كانت 0
ومعنى الإثبات فيها: إفراد الله جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات، بإخلاص على الوجه الذى شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام، وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد، وهو الذى فيه المعارك بين الرسل وأممهم {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب} 0 [[2] ]
لما كان في لا إله إلا الله نفي وإثبات فهى في الحقيقة جملتان اسميتان لأن كلا من النفي والإثبات يقتضي طرفين ينعقد الحكم بينهما فطرف الإثبات هو الاسم الجليل مع صحة الإيجاب من الله فصح أن يقصر بالأولى استمرار الثبوت الممتنع الانفكاك وبالثانية استمرار النفي الممتنع الانفكاك ومقام الدعوة إلى كلمة التوحيد قرينة على أن المعنى المراد من لا إله إلا الله نفيا وإثباتا هو هذا الاستمرار الممتنع الانفكاك ضرورة أن الشارع لا يقول إلا صدقا، واستمرار ثبوت إلهية له تعالى على سبيل امتناع الانفكاك واستمرار انتفاء الألوهية عن غيره تعالى هو المطابق لما في نفس الأمر فهو المقصود للشارع 0 [3]
وقوله (أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا) (آل عمران: من الآية 64) فنفي ما نفته: لا إله إلا الله، بقوله: {ألا نعبد} وأثبت ما أثبتته: لا إله إلا الله، بقوله: {إلا الله} وقال:) أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) (يوسف: من الآية 40 فهذا أعظم أمر أمر الله به عباده، وخلقهم له؛ ففي قوله {ألا تعبدوا} نفي الشرك، الذي نفته: لا إله إلا الله؛ وقوله: {إلا إياه} هو: الإخلاص، الذي أثبتته: لا إله إلا الله وقال تعالى:(وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) (الاسراء: من الآية 23 - قضى: أى أمر {ألا تعبدوا} فيه من النفي ما في معنى لا إله، وقوله {إلا إياه} هذا هو الإثبات، الذي الذي أثبتته: لا إله إلا الله؛ وقال تعالى: {قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به} [الرعد: 36] فهذا
(1) - الدرر 10/ 327
(2) - أضواء البيان 0
(3) - الرسائل والمسائل النجدية، بيان كلمة التوحيد والرد على الكشميري ص 342