وبصره، وفي حدود لا تخرج من دائرة علمه، لا ينشئ في نفس المرء شيئًا من النزوع إلى عبادته أبدًا، خذ لذلك مثلًا أن رجلًا يحتاج إلى مال ينفقه في بعض حاجته، فيأتي رجلًا آخر يطلب منه عملًا أو وظيفة فيجيبه الرجل إلى طلبه ويقلده عملًا، ثم يأجره على عمله، فإن الرجل لا يخطر له ببال أصلًا - فضلًا عن أن يعتقد - أن الرجل يستحق العبادة من قبله، لما علم بل رأى بأمّ عينه كل المنهاج الذي بلغ به غايته وعرف الطريقة التي اتخذها الرجل لقضاء حاجته. فإن تصور العبادة لا يمكن أن يخطر ببال المرء إلا إذا كان شخص المعبود وقوّته من وراء حجاب الغيب، وكانت مقدرته على قضاء الحوائج تحت أستار الخفاء. من ها هنا قد اختيرت للمعبود كلمة تتضمن معاني الاحتجاب والحيرة والوله مع اشتمالها على معنى الرفعة والعلوّ.
4 -ورابع الأربعة أنه من الأمور الطبيعية التي لا مندوحة عنها أن يتجه الإنسان في شوق وولع إلى من يظن فيه أنه قادر على أن يقضي حاجته إذا احتاج، وعلى أن يؤويه إذا نابته النوائب، ويهدئ أعصابه عند القلق. 00 فتبين من ذلك كله أن التصورات التي قد أطلقت من أجلها كلمة (الإله) على المعبود هي: قضاء الحاجة والإجارة والتهدئة والتعالي والهيمنة وتملك القوى التي يرجى بها أن يكون المعبود قاضيًا للحاجات مجيرًا في النوازل وأن يكون متواريًا عن الأنظار يكاد يكون سرًا من الأسرار لا يدركه الناس، وأن يفزع إليه الإنسان ويولع به.
قال الله تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ) (الزمر:11) أي إنما أمرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له - وقال تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ) (الزمر:2 ) ) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) (الزمر:3)
يقول الإمام ابن كثير: (أي فاعبد الله وحده لا شريك له، وادع الخلق إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له وحده، وأنه ليس له شريك، ولا عديل، ولا نديد، ولهذا قال تعالى: {ألا لله الدين الخالص} - أي لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له 0
العبادة نفى وإثبات: ـ