أما في الدنيا فلا يصح ما يشترطه البعض في عصمة دم الإنسان أو الحكم بتوبة المرتد من تبين هذا النوع من التوبة، فإن شروطها من الغيب الذى لا يعلمه إلا الله، ولا يمكن للخلق ضبطه، وإنما يكفى في ذلك ظهور التوبة الحكمية، وهى إظهار المذنب توبته عند الناس بالإقلاع عن ذنبه في الظاهر، أو الرجوع والبراءة من السبب المكفر من قول أو عمل ظاهر 0
وقد استثنى بعض الفقهاء الزنديق، يقول شيخ الإسلام: - والزنديق هو المنافق وإنما يقتله من يقتله إذا ظهر منه انه يكتم النفاق قالوا ولا تعلم توبته لأن غاية ما عنده أنه يظهر ما كان يظهر، وقد كان يظهر الإيمان وهو منافق ولو قبلت توبة لزنديق لم يكن سبيل إلى تقتيلهم والقرآن قد توعد بالتقتيل 0 [[1] ]
والمرجح في هذا والله اعلم إلى الاجتهاد، وتقدير المصالح والمفاسد، ومعرفة الواقع من ازدياد الشر والاستخفاف بالدين، وتجرؤ الناس عليه، فمتى وجد مثل هذا شدد على المتلاعبين الزنادقة، وشرد بهم من خلفهم، خصوصا إذا توفرت القدرة عليهم، فقد علمت تنوع هذى النبى صلى الله عليه وسلم وسيرته في أمثالهم، في حال ضعف المسلمين، وعند قوة شوكتهم 0
نخلص مما سبق:
أن التكفير حكم شرعى له طرقه وضوابطه الخاصة وأهل السنة والجماعة ليس همهم إقامة الأحكام على الناس، بقدر ما يهمهم البيان الشرعى {ليهلك من هلك عن بينة ويحى من حى عن بينة} {ولتستبين سبيل المجرمين} وهم لا يكفرون بالمعاصى، ولا يكفرون بالعموم هكذا جزافا، وإنما يكفرون من كفره الله ورسوله بالنصوص الصريحة وبالضوابط الشرعة المجمع عليها - لا سيما من كان كفره بواحا صراحا - وكذلك يفرقون بين الحكم المتعلق بإجراء الأحكام الظاهرة، وبين الحقيقة التى عليها مدار الثواب والعقاب والحساب في الآخرة ويضعون كلا في موضعه ولا يخلطون، ولا يشقون عن صدور الناس، ولا يتتبعون عوراتهم، وما
(1) 122 - مجموع الفتاوى 7/ 137 -