ولو قيل له أعددها لم يحسن ذلك،وكم حافظ لألفاظها يجري فيها كالسهم وتراه يقع كثيرا فيما يناقضها والتوفيق بيد الله والله المستعان 0 [[1] ]
وهو يقصد هنا [الانتفاع الكامل في الدنيا والآخرة] ولذلك اشترط استكمال جميع شروطها ولم يفرق بين ما ظهر وما بطن من ذلك 00 لأنه قصد الإسلام الحقيقى 0
أما الإسلام الحكمى الظاهر في الدنيا: فقد عرفت أن شأنه دون ذلك، وأنه إنما اشترط له أن يظهر المرء ما يصير به مسلما مما هو من أصل الإيمان والتوحيد، أى أن يأتى بشروط الإسلام الظاهرة، وأن لا يقع في شئ من نواقضه الظاهرة 0
وقد قدمنا لك أن الكفر وإن كان قد يكون بأحد أسباب أربعة إما قول أو فعل أو شك أو اعتقاد أو بأكثر من سبب منها إلا أن التكفير في أحكام الدنيا إنما ينحصر في القول المكفر أو الفعل المكفر أو بهما معا 000 قال شيخ الإسلام: [فالمرتد كل من أتى بعد الإسلام من القول أو العمل بما ينقض الإسلام بحيث لا يجتمع معه [[2] ]
وقال أيضا [وإذا لم يكن علم الإيمان المفروض صفة لقلب الإنسان لازمة له لم ينفعه فإنه يكون بمنزلة حديث النفس و خواطر القلب و النجاة لا تحصل إلا بيقين في القلب و لو أنه مثقال ذرة - هذا فيما بينه و بين الله، و أما في الظاهر فيجري الأحكام على ما يظهره من القول و الفعل] [[3] ]
أما الاعتقاد والشك فهو من أسباب الكفر الأخروية الباطنية، التى أمرها إلى الله وليس إلينا، إذ لا سبيل في أحكام الدنيا إلى ضبطها، وإعمالها، واعتبارها، وقد علمت أن الشارع ربط الأحكام والمسببات في الدنيا بأسباب وأوصاف ظاهرة منضبطة غير خفية ولا مغيبة، وذلك كى يتمكن المكلفون من التعامل معها، ولذلك يعامل من أبطن الكفر ولم يظهره بقول أو عمل - كما هو حال المنافقين - بمعاملة المسلمين في أحكام الدنيا، فيعصم إسلامهم الحكمى الظاهر دماءهم وأموالهم، ثم مصيرهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار 0
وقد قال تعالى {ولا تقف ما ليس لك به علم} 00 ولم يجعل لنا سبحانه علمًا بالمغيبات والبواطن نعلق أحكام الدنيا بها 0
وقال تعالى حكاية عن نبيه نوح {وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمْ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ} (31) هود فرتب الحكم على ظاهر إيمانهم ورد علم ما في أنفسهم إلى العالم بالسرائر سبحانه وتعالى 0
قال الشافعي رحمه الله: [فرض الله تعالى على خلقه طاعة نبيه، ولم يجعل لهم من الأمر شيئا، فأولى ألا يتعاطوا حكما على غيب أحد بدلالة ولا ظن، لقصور علمهم عن علوم أنبيائه الذين فرض عليهم الوقوف عما ورد عليهم، حتى يأتيهم أمره، فإنه تعالى ظاهر عليهم الحجج، فما جعل إليهم الحكم في الدنيا، إلا بما ظهر من المحكوم عليه، ففرض على نبيه أن يقاتل أهل الأوثان، حتى يسلموا فتحقن دماؤهم إذا أظهروا الإسلام، واعلم أنه لا يعلم صدقهم بالإسلام إلا الله، ثم اطلع الله رسوله على قوم يظهرون الإسلام، ويسرون غيره فلم يجعل له أن يحكم عليهم بخلاف حكم الإسلام، ولم يجعل له ان يقضى عليهم في الدنيا بخلاف ما أظهروا] [4]
ومثل ذلك يقال في التوبة الباطنة الحقيقية المنجية في الآخرة، والتوبة الحكمية التى تكفى في الدنيا لعصمة الدم والمال والحكم بالإسلام 0
فالتوبة الحقيقية:هى المتقبلة عند الله، وهى المستوفية لشروط التوبة الباطنة والظاهرة، من الندم والإقلاع عن الذنب، والعزم على عدم العودة إليه، والاستغفار باللسان، وأداء حقوق العباد إن تعلق الذنب بها، فهذه هى التوبة المقبولة المنجية عند الله تعالى 0
(1) 1 - معارج القبول 2/ 418
(2) 118 - صارم المسلول 451
(3) 119 - السابق 370
(4) 120 - نقلا عن إعلام الموقعين 3/ 112