فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 166

"العبدية"و"العبودية"ومن ذلك أن أول ما يتمثل في ذهن العربي بمجرد سماعه كلمة"العبد"و"العبادة"هو تصور العبدية والعبودية، وبما أن وظيفة العبد الحقيقية هي إطاعة سيده وامتثاله أوامره، فحتما يتبعه تصور الإطاعة.

ثم إذا كان العبد لم يقف به الأمر على أن يكون قد أسلم نفسه لسيده طاعة وتذللا، بل كان مع ذلك يعتقد بعلائه ويعترف بعلو شأنه، وكان قلبه مفعما بعواطف الشكر والامتنان على نعمه وأياديه، فإنه يبالغ في تمجيده وتعظيمه، ويتفنن في إبداء الشكر على ألائه، وفي أداء شعائر"العبدية"له، كل ذلك اسمه التأله والتنسك. وهذا التصور لا ينضم إلى معاني العبدية إلا إذا كان العبد لا يخضع لسيده رأسه فحسب، بل يخضع معه قلبه أيضا

معنىالعبادة في الشرع: غاية الحب مع غاية الذل:

"والعبادة أصل معناها: الذل أيضا، يقال طريق معبد، إذا كان مذللا قد وطئته الأقدام، لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى مع غاية المحبة له سبحانه 0"

ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدا له، ولو أحب شيئا ولم يخضع له، لم يكن عابدا له، كما قد يحب الرجل ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلي العبد من كل شيء. وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله - وبهذا ندرك أن العبادة المشروعة لا بد لها من أمرين:

الأول: هو الالتزام بما شرعه الله ودعا إليه رسله، أمرا ونهيا، وتحليلا وتحريما، وهذا هو الذي يمثل عنصر الطاعة والخضوع لله، فليس عبدا ولا عابدا لله من رفض الاستسلام لأمره، واستكبر عن اتباع نهجه، والانقياد لشرعه، وإن أقر بأن الله خالقه ورازقه، فقد كان مشركو العرب يقرون بذلك، ولم يجعلهم القرآن بذلك مؤمنين ولا عبادا لله طائعين، فخضوع الإقرار بالربوبية لا يكفي، وخضوع الاستعانة في الكربات والاستغاثة في الشدائد لا يكفي، ولا بد من خضوع التعبد والانقياد والاتباع الذي هو حق الألوهية، وبهذا يتحقق معنى (إياك نعبد وإياك نستعين) .

وأساس الخضوع لله تعالى هو الشعور الواعي بوحدانيته تعالى، وقهره لكل من في الوجود، وما في الوجود، فكلهم عبيده وخلقه، وفي قبضة قدرته وسلطانه، وفي هذا يقول القرآن الكريم: (ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال. قل: من رب السموات والأرض؟، قل: الله، قل: أفأتخذتم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت