ومما ينبغي أن يذكر هنا ما قرره فقهاء الإسلام، وما أفتوا به في شتي فروع أبواب الفقه من مسائل دقيقة، تبرز بجلاء صورة مشرقة من الحضارة الإسلامية، وتفردا في السبق العلمي، في مجال شروط الإجتماع، والإختلاط، وكذا الحفاظ على صحة المستهلكين وسلامة المنتجات والسلع الإستهلاكية.
ومن هذه المسائل الفقهية الدقيقة: مسألة اشتغال أهل البلاء والأمراض المعدية في المرافق العامة، ومزاولتهم لمهام البيع والشراء وغيرها من المعاملات التي تستلزم احتكاكهم بغيرهم أو لمسهم للسلع المعدة للإستهلاك [1] .
فقد سئل الإمام سحنون رحمه الله [2] ، عن قوم ابتلوا بالجذام، وهم في قرية مورد أهلها واحد ومسجدهم واحد، فيأتون المسجد يصلون فيه ويقعدون معهم، فيتأذى أهل القرية بهم، وأرادوا منعهم بذلك، أ ذلك لهم؟
فأجاب رحمه الله- مستحضرا مقاصد الشرع في حماية المصلحة العامة:
"أما المسجد فلا أرى أن يمنعوا من الصلاة فيه، ولا من الجلوس ألا ترى أن عمر بن الخطاب قال للمرأة المبتلاة رآها تطوف بالبيت مع الناس:"يا أمة الله لو جلست في بيتك لكان خيرا"، ولم يعزم عليها بالنهي، وأما ورودهم ماءهم واستقاؤهم منه، ووضوءهم فيه، وغير ذلك، فأرى أن يمنعوا منه، ويؤمروا أن يجعلوا لأنفسهم من يسقي لهم الماء، ويجعله في أوانيهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا ضرر ولا ضرار" [3] ، فورودهم الماء وإدخالهم أوانيهم فيه مما يضر بالأصحاء جسدا، فأرى أن يحال بينهم وبين ذلك، وليجعلوا لهم رجلا فيسقي لهم، ألا ترى أنه يفرق بينه وبين إمرأته، ويحال بينه وبين وطء جواريه للضرورة، فهذا أحرى أن يمنع" [4] .
(1) - راجع مثلا:"أحكام السوق"ليحيى بن عمر (تـ 289 هـ) : ص: 181، تحقيق اسماعيل خالدي، دار ابن حزم، منشورات الرابطة المحمدية للعلماء، الطبعة الأولى، سنة: 1432 هـ - 2011 م.
(2) - الإمام العلامة فقيه المغرب أبو سعيد عبد السلام بن حبيب، ولد سنة 160 هـ، حمصي الاصل، قاضي القيروان، صاحب"المدونة"توفي سنة: 240 هـ. أنظر ترجمته في"الديباج المذهب في علماء المذهب"لابن فرحون: ص: 160 و 166 و"الثقات"لابن حبان: 8/ 299. و"البداية والنهاية"لابن كثير: 10/ 357.
(3) - أخرجه ابن ماجه في سننه: كتاب رقم: 13: الأحكام: باب رقم: 17: من بني في حقه ما يضر جاره، رقم الحديث 2341: 2/ 784، وأخرجه مالك في الموطأ: كتاب رقم 36: الأقضية: باب: القضاء في المرافق، رقمه: 31: 2/ 745، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، طبعة سنة: 1406 هـ - 1985 م.
(4) -"أحكام السوق"ليحيى بن عمر: ص: 183 و 184.