فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 106

و قد رد العلماء على أدلة ابن حزم رحمه الله، فأما الرد على الاستدلال الأول يكون بما قاله الماوردي:

"إذا جنى عليه فأذهب عقله ضمنه بالدية دون القود، وإنما سقط القود فيه لأمرين [1] :"

-الأول: اختلاف الناس في محله، فمن طائفة تقول محله الدماغ، وأخرى تقول محله القلب، وأخرى تقول مشترك فيهما.

-الثاني: تعذر استيفائه، لأنه يذهب بيسير الجناية، ولا يذهب بكثيرها.

فمماثلة العقوبة غير ممكنة وغير عادلة، لاختلاف الناس في محل العقل، ولاختلافهم في القدرة على التحمل، فقد يتحمل الإنسان القوي ضربة ولا يضره بسببها شيء. وقد يزيل بهذه الضربة عقل آخر ضعيف، وقد يقتله بها، فيكون في الإستيفاء ظلم، ولا توجد طريقة معروفة مؤكدة يمكن أن تحدث أثرا مماثلا، فلما تعذر استيفاء القصاص تعين البدل وهو الدية.

وأما الاستدلال الثاني لابن حزم وقوله بالعفو عن الخطأ، بأن المقصود من العفو في حال الخطأ فهو رفع الإثم، لا رفع الواجب من الدية، ولهذا جاء تفسير قوله تعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم} (الأحزاب: 05) . أي:"ما تعمدت قلوبكم فعليكم الجناح، وما أخطأتم فيه ليس عليكم به جناح، وكان الله غفورا للعمد، ورحيما برفع إثم الخطأ" [2] .

قال الحافظ ابن رجب:"والأظهر والله أعلم، أن الناسي والمخطئ إنما عفي عنهما بمعنى رفع الإثم عنهما، لأن الأمر مرتب على المقاصد والنيات، والناسي والمخطئ لا قصد لهما فلا إثم عليهما، وأما رفع الأحكام عنهما فليس مرادا من هذه النصوص فيحتاج في ثبوتها ونفيها إلى دليل آخر" [3] .

(1) -"الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي"وهو شرح مختصر المزني"للماوردي (ت 450 هـ) : 12/ 246، تحقيق علي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، سنة: 1999 م."

(2) -"الجامع لأحكام القرآن"للقرطبي: 12/ 120.

(3) -"جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم"لابن رجب أبو الفرج زين الدين عبد الرحمان بن شهاب البغدادي (ت: 795 هـ) : 1/ 375، تحقيق شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة السابعة سنة: 1997 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت