(فصل)
فإذا فهمت هذه القواعد فهمًا جيدًا فدونك هذه القاعدة التي هي مقصود هذه الرسالة، وهي قاعدة: (شرعية الأصل لا تستلزم شرعية الوصف) ، وفي نظمها قلت:
شرعية الأصول لا تستلزم ... شرعية الأوصاف يا من يفهم
وبيانها أن يقال: اعلم - رحمنا الله وإياك - أن الأصل في العبادات الإطلاق أي الإطلاق عن الشرط، والإطلاق عن الصفة، والإطلاق عن الزمان، والإطلاق عن المكان، والإطلاق عن المقدار، وقد تقرر لنا سابقًا أن الأصل هو بقاء المطلق على إطلاقه ولا يفيد إلا بدليل.
وبناءً عليه: فمن قيد عبادة بصفة فلابد أن يأتي بدليل يدل على مشروعية فعل هذه العبادة بهذه الصفة المعينة، ولا حق له أن يستدل على شرعية هذا الوصف بالدليل الذي يثبت أصل العبادة، فإن دليل الأصل للأصل والوصف شيء زائد على الأصل يتطلب دليلًا آخر غير دليل الأصل، ومجرد شرعية الأصل لا يلزم منها تشريع الوصف، فلابد من التفريق بين أصل العبادة ووصفها.
ونقرب الأمر بضرب مثال فقهي فأقول: لو أثبت الدليل الشرعي أن هذا الشيء حرام، فهل دليل التحريم يستفاد منه أنه نجس أم أن النجاسة شيء زائد على مجرد التحريم تحتاج إلى دليل آخر؟ لاشك أن الجواب هو الثاني، فليس كل حرام نجس فإن الحرير حرام على الرجال لكنه طاهر، والذهب حرام على الرجال لكنه طاهر، وآنية الذهب والفضة حرام على الرجال والإناث لكنها طاهرة، والخمر حرام لكنها على الصحيح طاهرة، والسم حرام أكله لكنه طاهر، والمال الحرام الذي دخل من مكاسب غير مشروعة كالربا والغش والسرقة