قلنا: الدليل على ذلك أن العلم لوجاذ أن يقوم به ليكون عالمًا بالعلم القائم به، جاز أن يقوم به جهل. إذ سبيل قيام أحدهما كسبيل قيام الثاني، وما يقبل العلم والجهل يخلو عن أحد هما على ما سنوضحه في الأصل الثالث، عند ذكرنا استحالة تعري الجوهر عن الأعراض. ثم الكلام في القائم بالعلم كالكلام في العلم الأول، فينبغي أن لا يخلو عن علم أو ضد، ثم يتسلسل القول ويؤدي إلى إثبات حوادث لا نهاية لها.
فهذا مما عول عليه الأئمة في منع قيام العرض بالعرض.
وليس في الدلالة مطعن إلا أ يناقش ويزعم أن القابل للأعراض بجوز أن يخلوا عنها، وسنثبت ذلك إن شاء الله.
ومما تمسك به القاض رضي الله عنه في الأكوان خاصة أن قال: الكون عند المققين هو الذي يوجب تخصيص الكائن بحيز وجهة، وبهذه الصفة تتمز الأكوان عما عداها من أجناس الأعراض، وإنما يتحقق الاختصاص بالجهة في حق موجود يشغل الحيز. والموجود الذي لا يتحيز، وليس له جزم يشغل الحيز، لا يعقل اختصاصه بجهة من الجهات. فإذا لم يتصور في العرض الاختصاص بالجهة، لم يتصور قيام الكون به، إذا لو قام به كون من غير اقتضاء تخصيص لأفضى ذلك إلى انقلاب نفسه وخروجه عن جنسه.
والذي يحقق ما قلناه تفصيلا أن الأكوان لا تخلو: إما أن تكون حركة، أو سكونًا، أو اجتماعًا، أو افتراقًا. والحركة شغل مكان وتفريغ آخر، وإنما يتحقق ذلك في الأجرام. والاجتماع تجاور الذاتين وتماسهما، وإنما يتقدر ذلك في جرمين أيضًا، إذ ما لا جرم له، لا ينتهي حده إلى حد غيره من غير تداخل. والمتجاوران: هما الذاتان الشاغلتان لحيزين ليس بينهما حيز، ولا يتحقق ذلك فيما لا شغل له. وكذلك القول في الافتراق والسكون اختصاص بجهة، فاستبان بذلك استحالة قيام الأكوان بالأعراض جملة وتفصيلا.