اختلفت عبارات أئمتنا-رضي الله عنهم-في حقيقة الواحد ومعناه. فالذي صار إليه الأكثرون: أن الواحد هو الشيء الذي لا يصح انقسامه.
وقال آخرون: الواحد هو الذي لا يصح فيه تقدير رفع وإبقاء، وهذه العبارة تداني الأولى في المعنى، وإن خالفتها في الصيغة. فإن الذي يتوهم رفع شيء منه، مع إبقاء شيء، هو المنقسم المتعدد.
وعبّر بعض الأصحاب فقال: الواحد هو الذي لا يقال فيه شيء، وشيء على غير معنى التكرار، وهذا قريب مما سبق أيضًا.
والذي اختاره القاضي أن قال: الواحد هو الشيء، وحاول قدحًا فيها تقدم من العبارات، فقال: من قال حقيقة الواحد الشيء الذي لا ينقسم، فقد ركب الحد من وصفين. وشيخنا يأبى تركب الحد، كما يأبى تركب العلل.
فإذا قال قائل: الواحد هو الشيء الذي لا ينقسم، فقد ذكر في حده الشيء، ثم تعرض بعده لانتفاء الانقسام، وهذا تعرض لمعنيين: أحدهما: نفي، والثاني إثبات. ولا يسوغ الاكتفاء بانتفاء الانقسام من غير تعرض لإثبات الشيء، إذ لو اكتفى بالنفي المحض؟! بطل عليه حده بالعدم.
وبمثل هذه الطريقة اعترض على سائر العبارات، ثم ارتضى لنفسه في حقيقة الواحد أنه الشيء، ووجه على نفسه سؤالين، واتفصل عنهما. أحدهما: أنه قال: للقائل أنه يقول: الحد الذي ارتضيته ليس مما تنبئ اللغة عنه، وتدل عليه؛ والواحد لفظ عربية فإذا رمنا كشف معناها، وجب تقريب الكشف من قضية اللغة، وموجب اللسان، ثم انفصل عن ذلك، وقال: ليس غرضنا بما نطلقه من الحدود والحقائق في الديانات تهذيب اللغات، ولا البحث عن معانيها؛ إذ لو كان الغرض