فإن قيل: فقد شحن المحققون مصنفاتهم بالنظر الجلي والدقيق، فما أرادوا بذلك؟ قلنا: مرادهم بذلك أن النظر اذا كان يستند إلى الضروري برتبة 8 فهو الجلي، واذا كان يستند إلى الضروري برتبتين فهو أخفى مما سبق في اطلاقهم، وليس المعنى بذلك كون نظر أخفي من نظر. ولكن المراد به أن الذي يشتغل بنظر واحد أقل فكرا من الذي يتعلق بنظرين ويشتغل بفكرتين.
فهذا وجه تفاضل النظر، والا فلا يتصور في النظر واحد أجلى من نظر. وضرب المحققون لذلك مثالا وقالوا: سبيل الناظر سبيل الماشي العادم أمر مقصده. فإن قصرت المعرفة قل الكد، وقصر الجهد، وإن طالت ازداد الجهد ولا يفضل مشى مشيا مع استواء الصفة والمسافة.
فصل
[في حدث العالم والعلم به]
فإن قال قائل: إذا نصبتم دليلا في حدث العالم، فالمدلول حدث العالم أو العلم بحدث العالم. قلنا: هذا مما اختلف أرباب الأصول فيه. فذهب بعضهم إلى أن مدلول الدليل العلم بحدث العالم. وذهب آخرون إلى أن العلم حدث العالم نفسه. ثم من أحاط بتعلق الدليل بالمدلول اقتضى له ذلك العلم بالمدلول. ومن زعم أن المدلول هو العلم لم يتصور عنده انقسام المدلولات إلى الوجود والعدم، والحدوث والقدم، وإنما المدلول العلم على كل حال، ثم العلوم تختلف بتغاير معلوماتها. ولا خلاف [في] أن الأدلة تنقسم إلى الوجود والعدم، والحدوث والقدم.
واستدل من ذهب إلى أن المدلول هو العلم بأن قال: الدليل يتضمن مدلوله ويقتضيه عنه عند أقوام ويوبه عنه آخرين، ويولده عند المعترلة. وهذه الجهات كلها مستحيلة اذا قدر المدلول غير، فإنا لو قلنا: ان العالم يدل على الصانع سبحانه وتعالى،