من حيث كان معنى، وإنما استحال من وجه آخر. وكذلك لم يستحل قام الصفة القديمة بالجوهر بالجوهر من حيث كان معنى، بل استحال ذلك لحدوث الجوهر، وتقدم وجود الصفة القديمة عليه، واستحالة انتقالها عن الموصوف بها إلى الجوهر عند حدوثه، فاستمرت الدلالة. ولا مطمع للمعتزلة في إثبات هذا الأصل، مع ما قدمناه من مناقضاتهم، ولا معنى لإعادتها.
القول في الأصل الثالث وهو يشتمل
على إثبات استحالة تعرى الجواهر عن الأعراض
اعلوا-وفقكم الله-أن من مذهب أهل الحق أن الجواهر لا تخلو من الأعراض. ثم الأعراض تنقسم: فمنها ما يجمع ضروبا منها اسم واحد، ثم هي مختلفة متضادة، ومنها ما لا يوصف بالاختلاف. فأما وصف بالاختلاف والتضاد فمعظم الأعراض كاللون، والطعم، والكون، والرائحة، فكل قبيل من هذه الأجناس يتناول ضروبها اسم واحد، وهي مختلفة متضادة. ثم اسم اللون ينطلق على مختلفات متضادة كالسواد والبياض، والحمرة والصفرة. ولا يجوز خلو الجوهر عن ضرب من هذه الضروب، ولا يجوز أن يحتمل ضربين منها معا. فإن المختلف من الأولان متضاد، وكذلك القول في الطعم والريح والكون.
ومن قبيل الأعراض ما لا يثبت فيه أضداد مختلفة، وذلك نحو البقاء إذا أثبتنا البقاء معنى، فليس له ضد يخالفه. وتحرير القول فيه أن الجوهر إذا كان في حالة يجوز أن يقبل البقاء فيها، فلا تخلو عنه، وليس له ضد يخالفه، فنقول: إنه لا يخلو عنه أو عن ضده. وفي أضداد العلوم والقدر والارادات كلام يطول تتبعه وسنوافي به في موضعه إن شاء الله. فهذا ما صار إليه أهل الحق.