قيل: وكذلك وجود الجوهر دون الأعراض مستحيل لما قدمناه، فكذلك استحالة جواهر لا تجتمع ولا تفترق.
ومما يوضح فساد ما تمسكوا به: أن الحياة شرط في ثبوت العلم، ثم العلم والحياة فعلان، فهلا ثبت العلم دون الحياة على قضية مذهب الخصم؟
ومما نعارضه به أن تقول: من قامت به آلام وأسقام، وانتفت عنه الآفات المانعة من العلم، فيعلم ما قام به من الألم لا محالة. فلئن لم يبعد اقتران العلم والألم وجوبًا، لم يبعد ذلك في الجوهر والعرض.
ومما يتعلقون به: التمسك بضروب لا معنى للاستدلال بها، منها: أنهم يقولون الماء والهواء لا لون لهما، والحجارة والخشب وقشور الجوز واللوز ونخوهما لا طعوم لها، وكل ما ذكروه باطل.
فأما الماء فلا ينكر لونه إلا معاند. بيد أنه اختص بلون مخالف لسائر ألوان الأجسام. وفي الناس من قال: إنه على لون البياض، ويظهر ذلك بأن يقطر الماء من علو إلى سفل، فيتبين أنه على لون البلّور. وهذا كلام في تفصيل اللون وأصله معلوم قطعًا. ولو ساغ إنكار لون، لما ساغ إنكار البياض وما عداه من الألوان. وأما الهواء فمن الناس من قال إنه غير مدرك في وقتنا، ومنهم من قال إنه مدرك مرئي. فمن نفى كونه مدركًا، سقطت عنه الطلبة في لونه. ومن أثبت كونه مدركًا-وهو الصحيح-أثبته ذا لون، وزعم أنه إذا جنّ الليل، أظلم الخواء، وضرب لونه إلى السواد، وإذا أضاء النهار أضاءت أجزاء الهواء وضربت إلى البياض، وكل ذلك تكلف. فإن أكثر ما فيه أن يسلم الخصم أنا لم ندرك لون جوهر، ولا يدل عدم إدراكنا له على انتفائه، فإنا إنما ندرك ما يخلق لنا إدراكه.
وأما ما ذكروه من نفى الطعم عن ضروب من الأجسام، فساقط ضرورة