والعنصر، وهو في كونه بسيطًا غير قابل للأعراض مخالف للمدرك بالمشاهدات، وكذلك الطباع التي هي استقصات العالم وأصولها عند الطبائعيين كانت على التباين في الأزل، ثم امتزجت وتركبت، فتركب العالم من تركبها، والمحسوس منها الآن على خلاف ما اثبتوه في الأزل، ولم يستقم إذن هؤلاء التشبث بالعوائد في المشاهدات مع إثباتهم ما يخالفها.
فإن زعموا أن الاستشهاد بالشاهد على الغائب مما استدل به الإسلاميون، فلا معنى للمنع منه. قيل لهم: لا سبيل إلى إنكار الاستشهاد بالشاهد على الغائب من كل وجه، ولا سبيل إلى طرده من كل وجه، وإنما يسوغ القول به إذا اجتمع الشاهد والغائب في علة أو شرط، أو حقيقة أو دليل، وسنبسط القول في ذلك في مفتتح الصفات إن شاء تعالى.
والقسم الرابع من كلامهم يشتمل على ضروب من التمويهات تدل على جميعها طريقة واحدة. وهي أنهم قالوا: لو حكمنا بحدوث العالم، لم يخل إما أن نقول: إنه حادث لعينه، أو نقول إنه حادث لمعنى. فإن قيل: انه حادث لعينه، لزم منه أن يعلم حدثه، من يعلم عينه، وليس الأمر كذلك. وإن كان حادثًا لمعنى، فلا يخلو ذلك المعنى إما أن يكون قديمًا أو حادثًا، فإن كان قديمًا، لزم الحكم بقدم مركبه، وفيه القول بعدم العالم. وإن كان ذلك المعنى حادثًا، فالقول في حدوثه كالقول في حدوث العالم، فيلزم أن يكون حادثًا لمعنى ويتسلسل القول عند ذلك.
وهذا الذي ذكروه واضح البطلان، فأول ما يلزمهم عليه أن يعارضوا بمثله في القدم، فيقال لهم: إذا زعمتم أن العالم قديم، لم يخل إما أن تقولوا: إنه قديم لعينه، فيلزمه على مؤدي قولهم أنه يعلم قدمه من يعلم عينه. وإما أن تقولوا إنه قديم لمعنى، فيتسلسل عليهم القول في قدم المعنى. ثم نقول: قد ثبتت صفة النفس، ولا يدركها من علم النفس، وهذا كما أنهم يسوغون أن يعلم الانسان لونًا،