فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 322

فإن قيل: التحيز عندكم من صفات الجوهر، فبم تنكرون على من يزعم أنه من صفات المعاني، وأن الجوهر إنما تحيز لكون من الأكوان، وهو الذي يوجب تخصيصه ببعض الجهات؟

قلنا: التحيز من صفات النفس، والدليل عليه وجوه من الكلام:

أحدها: أن المعنى بالتحيز عندنا الجرم، وكونه جرما لا يختلف، وإن اختلفت أكوانه وأعراضه. فلو كان هذا الحكم ثابتا موجبا لعرض، لوجب أن يثبت له حكم الاختلاف عند اختلاف الأكوان، فلما لم يختلف كونه جرما، دل أنه ليس من موجبات الأكوان. والاختصاص بالجهات - لما كان موجب الأكوان - كان في حكم الاختلاف. ومما استدل به أيضا أن صفة النفس إنما تتميز عن صفة المعنى، بأن النفس لا تعقل دون صفة النفس، ولا تعقل الصفة دون النفس، وصفة المعنى يجوز تقدير النفس دونها عقلا. وسنوضح الفصل بين صفات النفس والمعنى في باب إن شاء الله.

فإذا وضح ذلك اعتبرنا التحيز المفسر بكون الجوهر حجما، فوجدناه لازما الجوهر حتى لا يقدر الجوهر خارجا عن التحيز، كما لا يقدر خارجا عن كونه ذاتا شيئا.

فإن قيل: فاجعلوا علم الباري من صفات نفسه، من حيث لا يجوز تقدير عدم العلم مع نقاء الذات.

قلنا: ليس ما ألزمتم مما نحن فيه. فإن عدم العلم، ما امتنع لصفة الذات، وإنما امتنع، لقدمه واستحالة عدمه.

والذي يوضح الحق في ذلك: أنه لا يتصور العلم بحقيقة الجوهر مع الجهل بتحيزه، ويتصور العلم بحقيقة ذات القديم قبل العلم بعلمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت