وهي المدة الثانية والثالثة من حكم السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، والتي دامت سنة كاملة ابتدأت سنة 748 هحتى نهاية 749 هـ (1) ففي ولايته هدأت الأوضاع وعادت هيبة السلطة، وبسطت الدولة نفوذها على جميع مرافق الحياة. واستطاع النظام الإداري للسلطة أن يكون على جانب عظيم من الدقة والتنسيق.
ونظمت أيضا دواوين الحكومة، ومواردها، فنعمت الدولة بالاستقرار والهدوء (2) بفضل شخصية هذا الملك الذي وصفه جمال الدين بن تغري بردي بقوله: (وكان ملكا عظيما محظوظا، مطاعا، مهيبا، ذا بطش ودهاء، وحزم شديد، وكيد مديد، قلما حاول أمر فانحزم عليه فيه شيء يحاوله، إلا أنه كان يأخذ نفسه بالحزم البعيد والاحتياط) (3) .
ولا غرابة إذن أن (يمثل ذلك العصر بالذات أعظم عصور التاريخ المصري زمن المماليك وأكثرها ازدهارا، ذلك أن نفوذ الناصر امتد من المغرب غربا حتى الشام والحجاز شرقا وبلاد النوبة جنوبا حتى آسيا الصغرى شمالا) (4) .
وأما في الداخل فقد كان عهده عهد رخاء واستقرار حيث قضى عهده الطويل في الإصلاح والإنشاء والتعمير، الأمر الذي جعل المؤرخين والرحالة المعاصرين يشيدون بسيرته وفضله وازدهار حكمه (5) . غير أن هذا الهدوء والاستقرار السياسي سرعان ما افتقد بعد وفاة الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة (إحدى وأربعين وسبعمائة) ، فقد دخلت الدولة في طور جديد من نظم الحكم (6) لكثرة من تعاقب من السلاطين على حكم البلاد في حقب متلاحقة وفي سن لا تمكنهم من النهوض بأعباء الحكم، وغالبا ما ينتهي هذا الصراع بخلع السلطان القائم أو قتله. واستمر هذا الصراع قائما إلى أن انتهى بالقضاء على عرش سلاطين المماليك (7) ، يلاحظ من هذا العرض السريع للحياة السياسية
(1) الدكتور جمال الدين سرور: دولة بني قلاوون في مصر، الحالة السياسية والاقتصادية، مطبعة الاعتماد، مصر،1366 هـ/1947 م، ص 63. الدكتور علي إبراهيم حسن: دراسات في تاريخ المماليك البحرية، مكتبة النهضة المصرية، ط 2،1972 م، ص 92.
(2) محمود رزق سليم: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي، ج 1، ص 27. الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور: الظاهر بيبرس، القاهرة، سلسلة أعلام العرب، رقم 14، ص 130. ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ج 6، ص 210.
(3) المصدر نفسه، ج 6، ص 220.
(4) الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور: مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك، دار النهضة الحديثة،1972 م، ص 214. جمال الدين سرور: دولة بني قلاوون في مصر، ص 65.
(5) الدكتور علي إبراهيم حسن: دراسات في تاريخ المماليك البحرية، ص 95.
(6) المصدر نفسه، ص 96.
(7) الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور: مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك، ص 102.