ولعلنا في قابل الأيام، وقادم الزمان نكرم بالعثور على مصادر أخرى تذكر لنا أسماء من تلامذته ممن وفقوا لمواصلة طريق العلم، ونالوا حظا من الشهرة، وعندئذ نستطيع أن نقول رأيا حاسما واضحا لهذا الامر.
[ثانيا:] المبحث الثاني: مكانته العلمية وآراء العلماء فيه
قدمنا قبل قليل عناية الحافظ الفقيه قاضي القضاة علاء الدين مغلطاي بن قلنج اهتمامه في طلب المعرفة والعلم وخدمته من خلال حلّه وترحاله، وأشرنا لملازمته كبار الحفاظ والمحدثين والعلماء مدة طويلة فكان لذلك أثره الواضح في تكوين شخصيته العلمية وتميزه الفائق بين علماء عصره في الديار المصرية من خلال نهاية (القرن السابع والثامن الهجريين) أي منذ ولادته سنة (689 هـ) لغاية وفاته سنة (762 هـ) ، أي عمر ما يقارب (73 عاما) قضاه في طلب العلم ونشره - أثابه الله تعالى - وجزاه خير الجزاء، وهو عمر - فيما يبدو - ليس بالقليل، فقد عدّه المؤرخون من خيرة مصنفي عصره، ومن أبرز شيوخه، ونال لقب الحافظ والمحدث والقاضي، وقاضي قضاة في الديار المصرية مدة طويلة حدّث ودرّس وأفتى، وصنف التصانيف الكثيرة تزيد على مئة تصنيف غالبها مآخذ على أهل اللغة وأصحاب علوم الحديث كإبن ماكولا (1*) والخطيب البغدادي والمزّي (2**) ، وأجل منهم وأصحاب السير وشرح السنن (1) ، وجمع بين رئاسة الدنيا والدين، ومن نوابغ المفكرين العاملين، الذين يندر ظهورهم في العالمين، لذا شاع صيته، وبرز علمه، وانتشر فكره، فهو موسوعة زمانه، ومحط أنظار أقرانه.
لقد أجمع العلماء على مكانة مغلطاي العلمية والثقافية، وتباروا في مدحه، والثناء عليه.
(1*) ابن ماكولا: هو أبو نصر علي بن هبة الله بن علي بن جعفر بن علي بن محمد بن دلف ابن الأمير الجواد أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي الجرد باذ كاشي البغدادي، قتل ابن ماكولا غلمان له بجرجان سنة نيف وثمانين وأربعمائة، رحل ولقي الحفاظ والأعلام تبحر في الفن، وكان من العلماء بهذا الشأن قال السمعاني: كان إماما ثبتا حافظا، لا يسأل عن مثله. الذهبي، تذكرة الحفاظ، ج 4، ص 1201.
(2**) المزّي، جمال الدين أبو الحجاج يوسف ابن الزكي عبد الرحمن بن يوسف القضاعي ثم الكلبي الشافعي ولد بحلب سنة (654 هـ) ونشأ بالمزة في معرفة الرجال، حامل لوائها. صنّف كتاب (تهذيب الكمال) وكتاب (الأطراف) ولي مشيخة دار الحديث بالأشرفية توفي سنة (742 هـ) . الذهبي، تذكرة الحفاظ،4/ 1498، السيوطي، تذكرة الحفاظ، ص 517. ابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ج 6، ص 136.
(1) ابن قاضي شهبة، تاريخ ابن قاضي شهبة، الورقة 163 أ.