حالات الوجد والجذب والكشف والمشاهدة لتوصلهم إلى الحب الإلهي الحقيقي وعشقه، وزوال الحجب، والسكر الصوفي، وغلبة الشهود ثم المعرفة بعد أن أشاروا إلى تجربتهم بألفاظ تعارفوها بينهم، وقصروها عليهم وهي عماد لغتهم دون غيرهم.
وعلاء الدين مغلطاي من بين أولئك الذين ذهبوا بهذا المنحى والاتجاه الفلسفي الفكري الإسلامي الصوفي، رغم ما تعرض لمحنة ليس له يد فيها.
وعود على بدء لنشأة (مغلطاي) الذي نشأ قانعا بالقليل غير طامع فيما يطمع فيه الناس من مطالب الحياة ومستلزماتها، وأكثر من ذلك أنه لم يكن يسمح لنفسه بارتياد ساحات الملوك، ولا التقرب منهم، فعاش بعيدا عن أضواء القصور، وقصورهم من أكبر العوامل على اتساع الشهرة وبعد الصيت، وإن دل ذلك على شيء فإنما دل على أن (مغلطاي) قد ترك الدنيا لعشاقها والطامعين فيها، فقد نشأ فاضلا عالما، وفقيها عابدا زاهدا مخلصا ترك للدنيا مفاخرها ومغرياتها، ورعا مجاهدا في سبيل الدين وإعلاء كلمة الله - تقدّست أسماؤه - شأنه شأن العلماء الفضلاء فمجاهدة النفس والقناعة ديدنه في الحياة الدنيا، وكان وقته ينفق أثلاثا في القراءة والتأليف والعبادة (1) . رغم أن مكانته الاجتماعية والعلمية بمكانة من التمتع بوثير الفراش وجديد الرياش، فإنه نشأ نشأة نبذ كل ذلك واحتقره (كان خشن العيش والملبس لم يلتبس من الدنيا بشيء) (2) .
منذ أن فتح مغلطاي عينيه على الدنيا وجد نفسه في بيئة تقدر العلم وتبجل العلماء فقد كان لأسرته اهتمام بالعلم وميل نحوه، فلهذه الأسرة الفضل في حثّه على طلب العلم وإشرابه الرغبة في انتجاع أماكن العلم وارتياد مناهله.
ففي تركيا ومصر والشام وجد (مغلطاي) بيئة علمية نشطة، وجوا يشجع على طلب العلم ومتابعة تحصيله فاندمج مغلطاي في تلك البيئة وأنس إلى ذاك الجو وشرع يأخذ العلم من منابعه ومظانه وروافده من جلة شيوخه ويتلقاه عن صفوة علمائه.
ولقد أتيح (لمغلطاي) أن يتتلمذ لطائفة من العلماء جمعوا بين العلم والعمل، وعرفوا بالورع والتقوى، درس عليهم ونهل من علمهم، تفتحت عيناه وسط جمهرة من أولئك العلماء متعددي المعارف، وبيئته كانت معمورة بالمدارس العلمية التي درس فيها صفوة
(1) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ج 6، ص 197.
(2) الشوكاني، محمد بن علي: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، ج 2، ص 312.