ونود هنا أن نشير إلى مسألة مهمة جدا وهي أن المؤرخين وأصحاب التراجم والسير لم يكونوا يفرقون بين الثناء عليه ومدحه في ألوان العلوم المختلفة فقد وجدوه متعدد الجوانب، متشعب العلوم، ذا اهتمامات وموضوعات معرفية متعددة، فقد وجدوه قد كتب وألّف في اللغة والأدب والنحو، والفقه، والحديث، والتاريخ والتفسير، والفلك وغيرها من العلوم، مما جعل الرؤية جلية واضحة لمن يتتبع حياته.
فقد قال عنه ابن قاضي شهبة في تاريخه:
(ولي مشيخة الحديث بالظاهرية(1) والقبة الركنية (2) وغيرهما وصنّف التصانيف الكبيرة غالبها مآخذ على أهل اللغة وأصحاب علوم الدين كإبن ماكولا والخطيب والمزّي وأجل منهم وأصحاب السير وشرح السنن).
وكان عارفا بالأنساب، وجمع أحكاما وذكر فيها ما اتفق عليه الستة، وكان دائم الانشغال منجمعا عن الناس (3) ، وذكر ابن العماد الحنبلي: (قال الشهاب ابن رجب تصانيفه نحو المئة أو أزيد وله مآخذ على أهل اللغة وعلى كثير من المحدثين) (4) .
وقال عنه أبو المحاسن ابن تغري بردي الأتابكي (ت 874 هـ) :
(وكان له اطلاع كبير، وباع واسع في الحديث وعلومه، وله مشاركة في فنون عديدة تغمّده الله برحمته) (5) .
وتحدث عنه القاضي الشيخ محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) :
ذكر بأنه: (أكثر جدا من القراءة بنفسه والسماع وكتب الطباق ولازم الجلال القزويني ودرّس بالقاهرة بالحديث وصنّف تصانيف منها شرح البخاري، وذيل المؤتلف والمختلف، والزهر الباسم في السيرة النبوية، وسمع من الدمياطي، ومن تقي الدين ابن
(1) المدرسة الظاهرية أو السلطانية: ثم التعريف بها. المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ج 2، ص 378. النعيمي: عبد القادر محمد الدمشقي، الدارس في تاريخ المدارس، ج 1، ص 340.
(2) القبة الركينة: أنشأها في القاهرة ركن الدين منكورس (ت 631 هـ) سنة 625 هـ ويدرّس فيها المذهب الشافعي وتسمى الركينة الجوانية، أما المدرسة الركنية البرانية فيدرّس فيها المذهب الحنفي. النعيمي، الدارس في تاريخ المدارس، ج 1، ص 253.
(3) ابن قاضي شهبة: تاريخ ابن قاضي شهبة، ورقة 163 أ.
(4) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ج 6، ص 197.
(5) ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ج 11، ص 9.