تشجيع المماليك للعلم والعلماء وقيامهم ببناء المدارس والتكايا ودور القرآن، والإنفاق عليهم، ووقف الأوقاف الكثيرة من أجلها، اقتداء بما سبقهم من الخلفاء والملوك، ولرغبتهم في إظهار مودتهم لأبناء الشعب، ومحبتهم لهم وللتفاخر فيما بينهم، من خلال عنايتهم بالدين الإسلامي الحنيف، وكانت للمماليك عناية خاصة بالمدارس لا تقل أهمية عن عنايتهم بالمساجد، فكثرت في عصرهم المدارس، وتعددت في أرجاء البلاد المصرية، ويكفينا شاهدا على ذلك ما قاله ابن بطوطة (1) : (وأما المدارس بمصر فلا يحيط أحد بحصرها لكثرتها) . وكان من أشهر هذه المدارس: المدرسة الظاهرية التي أنشأها الملك الظاهر بيبرس سنة (إحدى وستين وستمائة) ، والمدرسد المنصورية التي أنشأها الملك المنصور قلاوون سنة (تسع وسبعين وستمائة) ، والمدرسة الناصرية التي أنشأها الملك الناصر محمد بن قلاوون سنة (ثلاث وسبعمائة) ، ومدرسة السلطان وإكرام لغتة العربية، والاهتمام بنشر دعوته الإنسانية النبيلة. وقد رافقت هذه الحركة الثقافية في مصر في ظل حكم المماليك مظاهر متعددة للحياة العلمية السائدة في البلاد تتلخص بما يأتي (2) :
1 -كثرة أماكن الدراسة ودور التعليم في البلاد، من حلقات الدرس في المساجد الجوامع إلى مدارس قائمة بذاتها، مجهزة بمكتبات عامرة، من أجل ازدهار الحركة العلمية في البلاد. فقد بلغت المساجد التي شيّدها الملك الناصر محمد بن قلاوون وأبناؤه وأمراؤه - في هذا العصر - ثمانية وعشرين - مسجدا (3) . حين شرع في بنائها سنة (ثمان وخمسين وسبعمائة) . وامتدت عناية المماليك أيضا إلى تزويد هذه المدارس بالمكتبات العامرة التي هي الركن الأساسي في بناء الحياة العلمية، فهذا السلطان المنصور قلاوون يزود المدرسة المنصورية بالكثير من كتب (4) الحديث، والتفسير، واللغة، والفقه، والطب، ودواوين الشعر (5) وكأنه سار على نهج الملك الظاهر بيبرس الذي سبقه، فقد
(1) ابن بطوطة، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم اللواتي (ت 779 هـ) : رحلة ابن بطوطة، بيروت، دار صادر، 1379 هـ - 1960 م، ص 37.
(2) الدكتور عبد اللطيف حمزة: الحركة الفكرية في مصر في العصرين الأيوبي والمملوكي الأول، ص 156. الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور: الظاهر بيبرس، ص 143. الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور: مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك، ص 193. المرجع نفسه، ج 1، ص 132.
(3) المقريزي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ج 2، ص 246، وج 2، ص 408.
(4) المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ج 2، ص 362.
(5) الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور، العصر المماليكي في مصر والشام، ص 333.