ونشأته (تركيا) ، فمن جدير القول: إن ذلك كله لم يبرح خيال ابنها البار (مغلطاي) ولم تخل من أثر في ثقافته ومناحي فكره، وسنتحدث عن ذلك في موضع نشأته ومكانته العلمية أيضا فيما سيأتي من مباحث أخرى في فصول هذه الرسالة.
ولكن من خلال تتبعنا للنصوص التاريخية التي أوردها المؤرخون ممن ترجم ل (مغلطاي) لم يتعرض أحدهم لذكر يوم الولادة بالتحديد، ولعل السبب يرجع - في تقديري - إلى أن وفاة العالم أشهر من ولادته، فهو عند (ولادته) مجهول مغمور، ولكنه عند (وفاته) معروف مشهور. ولذلك نجد المؤرخين والعلماء وبعض الباحثين والدارسين منهم من يهتم بذكر يوم الولادة - وهم قليلون -، إلا أننا نجد أصحاب (الطبقات والتراجم) أقدر وأجدر على تحديد يوم (الوفاة) منهم على تحديد يوم (الولادة) .
إن الكلام في نشأة علاء الدين (مغلطاي) يتصل بالكلام على ولادته اتصالا وثيقا.
فنحن نبدأ هنا من حيث انتهينا هناك. فضلا عن أن هذا الرجل نشأ في وضح التاريخ، وتقلب في البيئات العلمية في تركيا ومصر والشام، والبيئات العلمية تسلط الأضواء على صانعيها والمشاركين فيها عن طريق التلاميذ الذين ينتشرون في كل مكان. فإن أخباره واسعة جدا في أصقاع المعمورة، وقد لا تسعف الباحث أحيانا في تكوين صورة متكاملة عن نشأته، ولعل زهذه وتواضعه وانزواءه (1) سببا في ذلك، أو لعل ذلك راجع إلى حياته الخشنة التي جرت على وتيرة واحدة مدة طويلة من الزمن دون تنويع أو مباينة، ففي حياته من الحركة والتشويق ما يغري التتبع. وإنه كان من أهل الأسفار والرحلات كما سنعلم فيما بعد في فصول هذه الرسالة. والأسفار والرحلات تبعث على تحريك اهتمام الآخرين واجتذاب أنظارهم مما يترك القول واسعا لكتاب التاريخ والتراجم، ويمنحهم مادة خصبة لنشر الروايات والأخبار. ثم إن (مغلطاي) كان نشطا تواقا لتلقي العلم والزاد المعرفي منذ نشأته الأولى فيما جلب ذلك أنظار المؤرخين فقد قال عنه الحافظ تقي الدين (2) بن محمد بن فهد المكي (ت 871 هـ) في كتابه: لحظ الألحاظ بذيل طبقات الألفاظ قوله: (كان يرسله أبوه ليرمي النشاب فيخالفه ويذهب إلى حلقات العلم فيحضرها، وانهمك على
(1) ابن قطلوبغا، تاج التراجم في طبقات الحنفية، ص 78. ابن قاضي شهبة، تاريخ ابن قاضي شهبة، ورقة 162 أ. ابن حجر العسقلاني: الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة، ص 65 وما بعدها.
(2) محمد الهاشمي المكي، لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ، ص 133.