فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 611

وكسرت ثناياه الأربع وهشمت أنفه؟ فقال جبلة: إنه وطئ إزاري برجله فحله، والله لولا حرمة هذا البيت لقتلته، فقلت له: قد أقررت على نفسك فإما أن يعفو عنك وإما أن آخذ له منك القصاص. فقال: أيقتص مني وأنا ملك وهو من السوقة؟! قلت: قد شملك وإياه الإسلام فما تفضله إلا بالعافية. فقال: أتتركني إلى غد وتقتص مني؟ فقلت للفزاري: أتتركه إلى غد؟ قال: نعم. فلما كان الليل ركب في بني عمه وتوجه إلى الشام إلى كلب الطاغية، وأرجو أن الله تعالى يظفرك به. فانزل على حمص ولا تنفذ عنها فإن صالحك أهلها فصالحهم، وإن أبوا فقاتلهم وابعث عيونك إلى أنطاكية وكن على حذر من المتنصرة والسلام عليك ورحمة الله وعلى جميع المسلمين.

قال الواقدي: فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب في سره جهر به مرة أخرى ثم لوى يطلب حمص، وكان خالد - رضي الله عنه - سبقه إليها بثلث الجيش فنزل عليها يوم الجمعة من شوال سنة أربع عشرة من الهجرة النبوية، وكان عليها واليًا بطريق من قبل هرقل اسمه"لقيطا"وكان قد مات قبل نزول خالد والمسلمين - رضي الله عنهم - أجمعين فاجتمع المشركون في كنيستهم العظمى، وقال كبيرهم: اعلموا أن صاحب الملك قد مات وليس عند الملك خبر من هؤلاء العرب وقد نزلوا علينا وما ظننا ذلك، ولقد حسبنا أنهم لا ينزلون علينا حتى يفتحوا جوسيه وبعلبك وإن أنتم قاتلتموهم وكاتبتم الملك أن يسيِّر إليكم واليًا وجيشًا، فإن العرب لا تمكن أحدًا من جنود الملك أن يسير إليكم ولا يصل لكم، وليس عندكم طعام يقوم بكم للحصار، فقالوا: أيها السيد فما الذي ترى؟ قال: تصالحون القوم على ما أرادوا وتقولون نحن لكم وبين أيديكم إن فتحتم حلب وقنسرين وهزمتم جيش الملك، فإذا توجه القوم عنا بعثنا إلى الملك أن يمدنا بجيش عرمرم ويولي من أراد علينا ويستوثق لنا من الطعام والعمد، وبعد ذلك نقاتلهم فاستصوب القوم رأيه وقالوا: دبرنا بحسن رأيك وتدبيرك، فبعث البطريق إلى أبي عبيدة - رضي الله عنه - جاثليقًا كان عندهم معظمًا ليعقد الصلح بينهم وبين المسلمين فخرج الجاثليق ووصل إلى أبي عبيدة - رضي الله عنه - وتكلم في الصلح معه بما تحدث به البطريق من أمر سير المسلمين إلى حلب وقنسرين والعواصم وأنطاكية فأجابهم أبو عبيدة - رضي الله عنه - إلى ذلك وصالح أهل حمص على عشرة آلاف دينار ومائتي ثوب من الديباج وعقد الصلح معهم سنة كاملة أولها ذو القعدة وآخرها شوال سنة أربع عشرة من الهجرة. وانبرم الصلح وخرجت السوقة من حمص إلى عسكر المسلمين فباعوا واشتروا ورأى أهل حمص سماحة العرب في بيعهم وشرائهم وربحوا منهم ربحًا وافيًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت