فهرس الكتاب

الصفحة 347 من 611

فقال له ربيعة بن عامر: يا عمرو الق بنا العدو وتوكل على الله، فإن الذي نصرنا في مواطن كثيرة ونحن في قلة ينصرنا اليوم على بقية القوم الكافرين. فقنع عمرو بكلام عامر بن ربيعة، وقال: والله صدقت! وأمر الناس بالتأهب إلى لقاء العدو، فركب المسلمون ورفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير ... فأجابتهم الجبال والتلال والأوعار والأشجار والأحجار، فارتاع عسكر الكفار لما سمعوا في الجو هذه الأصوات، وكان فلسطين قد أتى وسمع ذلك ونظر إلى جيش العرب وقد زاد في عينيه أضعافًا فقال: وحق ديني لما أشرفت على القوم ما كانوا في هذه الكثرة وما كانوا أكثر من خمسة آلاف، وقد زاد الآن عددهم وتزايد مددهم، ولاشك أن الله قد أمدهم بالملائكة، ولقد كان أبي هرقل على بصيرة من أمر هؤلاء العرب، وليس جيشي هذا بأعظم من جيش ماهان الأرمني لما لقيهم باليرموك في ألف ألف، ولقد ندمت على خروجي إليهم، ولكن سوف أدبر حيلة على هؤلاء العرب! ثم إنه دعا بقس عظيم القدر عند النصرانية، وهو قس"قيسارية"وعالمها وقال له: اركب إلى هؤلاء القوم وكلمهم بالتي هي أحسن، وقل لهم: إن ابن الملك يسألكم أن تنفذوا إليه أفصحكم لسانًا وأجرأكم جنانًا فابعثوا به ولا يكون من طغام العرب. فركب القس وعليه ثوب من الديباج الأسود وعليه برنس من الشعر فركب بغلة شهباء وأخذ بيده صليبًا من الجوهر وسار حتى وصل إلى المسلمين فوقف بحيث يسمعون كلامه. فقال: يا معشر العرب إنِّي رسول إليكم من الملك فلسطين بن هرقل يسألكم أن تنفذوا إليه أفصحكم لسانًا وأجرأكم جنانًا، وإنه والله يريد صلحكم ولا يبغي قتالكم، لأنه عالم بدينه بصير بأموره، وليس يحب سفك الدماء ولا فساد الصور، فلا تبغوا علينا فالباغي مقهور والمبغي عليه منصور، وقد قال لنا المسيح: لا تقاتلوا إلا من بغى عليكم، وإن الملك يريد أن تبعثوا إليه رجلًا من أفصحكم لسانًا وأجرأكم جنانًا، ثم سكت. فلما سمع عمرو كلامه قال: أيها الناس قد سمعتم ما قاله هذا الأغلف، فمن منكم يبادر إلى مرضاة الله تعالى ورسوله وينظر ما يتكلم به مع ملك الروم؟

فتقدم إليه بلال بن حمامة مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان غلامًا أسود طويلًا من الرجال كأنه النخلة السحوق بصاص من السواد، عيناه جمرتان كأنهما العقيق، جهوري الصوت، عريض المنكبين كأنه من رجال شنوءة، وكان من عظم خلقته إذا نظر إليه أحد يهابه. فقال: يا عمرو أنا أسير إليه، فقال: يا بلال إنك قد حطمك الحزن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأيضًا إنك من جنس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت