فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 611

قال المؤلف رحمه الله تعالى: لقد بلغني أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - قام من ساعته يمشي على قدميه وحوله جماعة من الأصحاب منهم عمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - أجمعين، وخرجوا إلى ظاهر المدينة ووقع النداء في الناس وكبروا بأجمعهم فرحًا لخروجهم وأجابتهم الجبال لدوي أصواتهم، وعلا أبو بكر على دابته حتى أشرف على الجيش فنظر إليهم قد ملئوا الأرض فتهلل وجهه، وقال: اللهم أنزل عليهم الصبر وأيدهم ولا تسلمهم إلى عدوهم:"إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (آل عمران:26) ، وكان أول من دعاه أبو بكر يزيد بن أبي سفيان وعقد له راية وأمّره على ألف فارس من سائر الناس. ودعا بعده رجلًا من بني عامر بن لؤي يقال له ربيعة بن عامر، وكان فارسًا مشهورًا في الحجاز فعقد له راية وأمّره على ألف فارس.

ثم أقبل أبو بكر على يزيد بن أبي سفيان، وقال له: هذا ربيعة بن عامر من ذوي العلى والمفاخر قد علمت صولته وقد ضممته إليك وأمّرتك عليه فاجعله في مقدمتك وشاوره في أمرك ولا تخالفه. فقال يزيد: حبًا وكرامة. وأسرعت الفرسان إلى لبس السلاح واجتمع الجند وركب يزيد بن أبي سفيان، وربيعة بن عامر وأقبلا بقومهما إلى أبي بكر - رضي الله عنه - فأقبل يمشي مع القوم. فقال يزيد: يا خليفة رسول الله الناجي من غضب الله ومن رضيتَ عنه لا نكن على ظهور خيولنا، وأنت تمشي!! فإمَّا أن تركب وإمَّا أن ننزل. فقال: ما أنا براكب وما أنتم بنازلين! وسار إلى أن وصل إلى ثنية الوداع فوقف هناك فتقدم إليه يزيد فقال: يا خليفة رسول الله أوصنا، فقال: إذا سرت فلا تضيِّق على نفسك ولا على أصحابك في مسيرك ولا تغضب على قومك ولا على أصحابك وشاورهم في الأمر واستعمل العدل وباعد عنك الظلم والجور فإنه لا أفلح قوم ظلموا ولا نصروا على عدوهم، وإذا لقيتم القوم فلا تولوهم الأدبار:"وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ" (الأنفال:16) .

وإذا نصرتم على عدوكم فلا تقتلوا ولدًا ولا شيخًا ولا امرأة ولا طفلًا ولا تعقروا بهيمة إلا بهيمة المأكول، ولا تغدروا إذا عاهدتم ولا تنقضوا إذا صالحتم، وستمرون على قوم في الصوامع رهبانًا يزعمون أنهم ترهبوا في الله فدعوهم ولا تهدموا صوامعهم، وستجدون قومًا آخرين من حزب الشيطان وعبدة الصلبان قد حلقوا أوساط رؤوسهم فاعلوهم بسيوفكم حتى يرجعوا إلى الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وقد استودعتكم الله. ثم عانقه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت