فهرس الكتاب
قال عبد الله بن أنيس: فبينما هم على ذلك إذ أقبل خالد بن الوليد - رضي الله عنه - وجيش الزحف. فقال: شكر الله لك وأحسن جزاءك! ثم قال عبد الله: يا ضرار اعلم أن حامية الروم والبطارقة عند الدير لأجل ابنة صاحب طرابلس وما معها من الأموال، وقد أحاط بها كل فارس من الروم، فهل لك يا ابن الأزور أن تحمل معي؟ فقال: وأين هم؟ فقال: أما تنظر إليهم؟ فمد عينه، وإذا بحامية الروم وبطريق طرابلس وقد أحدقوا بالدير يمنعون عن الجارية والنيران مشتعلة والصلبان تلمع كضوء النار وكأنهم سد من حديد. فقال: أرشدك الله للخيرات فنعم المرشد أنت! احمل حتى أحمل معك بحملك.
فحمل عبد الله بن جعفر من جهته وحمل ضرار بن الأزور من جهته واتبعتهما الرجال وزعقوا في الروم وحماة المشركين وهم يمانعون عن أنفسهم وكان أشدهم منعة بطريقهم فبرز أمام القوم وهو يهدر كالبعير ويزأر زئير الأسد يصيح بكلمة الكفر ويحمل حملات الشجعان فقصده ضرار بن الأزور وباطشه في الضرب والتقت الأقران ونظر ضرار إلى العلج وعظم خلقته وتمكنه في سرجه وشدة ضربه وحسن احترازه فأخذ ضرار منه حذره، واحترز منه البطريق وطلبه أشد الطلب وكل واحد منهما طامع في صاحبه، فانفرد ضرار بن الأزور مع صاحب القوم وكل قرن مع قرنه، وليس مع ضرار أحدًا من المسلمين فانبسط ضرار بين أيديهم ليمكر بهم وطلبه البطريق وأصحابه وقصدوه بحملتهم.
فلما نظر ضرار إلى ذلك قصد موضعًا يصلح لمجال الخيل فاعترضه واحد منهم في ظلمة الليل فكبا به الجواد فسقط على الأرض هاويًا ثم ثار من سقطته يروم أخذ الفرس فلم يجد إلى ذلك سبيلًا فوقف مكانه وسيفه وجحفته بيده وجعل يجاهدهم بسيفه، فخفق عليه بطريق الروم وأقبل يضربه بعموده فلما لازمه ورمى العمود عليه زاغ ضرار عن الضربة، ثم وثب إليه وثبة الأسد وضربه ضربة أزعجت فرس البطريق من تحته وقام على رجليه وشد بيديه، وضربه الثانية فوقعت ضربة ضرار في عين جواده فانتكس الجواد إلى الأرض، ووقع العلج على ظهره، ولم يقدر أن يقوم لأنه مزرد في سرجه، فعالجه ضرار قبل وصول غلمانه إليه وضربه على حبل عاتقه فنبا سيفه ولم يعمل شيئًا فناهضه العلج وقد أيقن بالهلاك وقبض عليه وكان كالجبل العظيم فرماه ضرار تحته وملك صدره واستوى على نحره، وكان مع