فهرس الكتاب

الصفحة 350 من 611

فقال له عمرو: أيها الملك أما زعمك أن الجهد أخرجنا من بلادنا، فنعم كنا نأكل خبز الشعير والذرة فإذا رأينا طعامكم واستحسناه فلن نبارحكم حتى نأخذ البلاد من أيديكم وتصيروا لنا عبيدًا ونستظل تحت أصول هذه الشجرة العالية والفروع المورقة والأغصان الطيبة الثمار، فإن منعتمونا مما ذقناه من بلادكم من لذيذ العيش، فما عندنا إلا رجالًا أشوق إلى حربكم من حبكم الحياة، لأنهم يحبون القتال كما تحبون أنتم الحياة. قال: وأفحم فلسطين من جوابه، فرفع رأسه إلى قومه وقال: إن هذا العربي صادق في قوله وحق ما لنا معهم ثبات!

قال عمرو: فوجدت إلى وعظهم سبيلًا، وقلت: معاشر الروم إن الله - عز وجل - قد قرب عليكم ما كنتم تطلبون. إن كنتم تريدون بلدكم فادخلوا في ديننا وصدقوا قولنا، فإن الدين عند الله الإسلام. قال فلسطين: يا عمرو إنا لا نفارق ديننا وعليه مات آباؤنا وأجدادنا. قال عمرو: فإن كرهت الإسلام فأعطنا الجزية منك ومن قومك وأنتم صاغرون. قال فلسطين: لا أجيبك إلى ذلك، لأن الروم لا تطاوعني إلى أداء الجزية ولقد قال لهم أبي ذلك من قبل فأرادوا قتله! فقال: هذا ما عندي من الأعذار، ولقد حذرتكم ما استطعت ولم يبق بيننا حكم إلا السيف، والله يعلم أني دعوتكم إلى أمر فيه النجاة فعصيتموه! فقال له: يا عمرو وهل في أصحابك رجل بيِِّنٌ كلامه سريع الجواب إذا سئل. فقال له: اعلم أني والله أحب أن أمضي وآتيك بهم لتقف على صحة قولي، ثم وثب وسار إلى عسكره وأتى جيشه فحمد الله المسلمون على سلامته وباتوا يتحادثون، فلما صلى عمرو بالناس صلاة الفجر أمرهم بالركوب إلى قتال عدوهم. فأسرعوا إلى ذلك واستووا على متون خيولهم، واصطفوا للحرب والقتال.

قال الواقدي: حدثنا عروة بن زيد عن موسى مولى الحضرميين عن موسى بن عمران وابن الصباح لما كان يوم الحرب صف فلسطين جيشه ثلاثة صفوف وقدم المشاة وعدل الميمنة والميسرة، ورفع الصليب أمامه وتقدم أمام الجيش، فنظر عمرو إلى فلسطين وقد رتب عساكره وعزم على الحرب فهيأ المسلمين، وصفَّهم صفًا واحدًا وجعل في الميمنة الحماة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعهم شرحبيل بن حسنة كاتب الوحي وصابوب بن جباية الليثي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت