فهرس الكتاب
نشترى الزاد، وعلى أي شيء نحمله؟ فقال أبو عبيدة: من كان معه شيء من الذي غنمتموه من الروم فليشتر به الزاد والعلوفة. قال حسان بن عدي الغطفاني: خفف الله عن أبي عبيدة الحساب كما خفف عنا ما كنا نحمله من البسط والطنافس مما كان قد أثقلنا وأثقل دوابنا فأخذنا به الزاد والعلوفة من القوم! وكانت العرب تسمح لهم في البيع والشراء ويشتري منهم أهل حمص ما يساوي عشرين دينارًا بدينارين، ورغب أهل حمص في شراء الرخيص، ولم يزل أهل حمص كذلك ثلاثة أيام وهم فرحون برحيل العرب عنهم.
وكان للروم في عسكر العرب جواسيس وعيون يأخذون لهم الأخبار، فلما نظرت الجواسيس إلى أهل حمص، وقد فتحوا مدينتهم وهم يميرون العرب ظنُّوا أنهم دخلوا في طاعتهم فسارت الجواسيس إلى أنطاكية طالبين وجعلوا كلما اجتازوا ببلد من البلد أو حصن من الحصون يقولون: إن أهل حمص قد دخلوا في طاعة العرب وفتحوا مدينتهم صلحًا فكان يعظم ذلك على الروم ويزيدهم خوفًا ورعبًا، وكان ذلك توفيقًا من الله - عز وجل - للمسلمين، وكانت الجواسيس أربعين رجلًا فدخل ثلاثة منهم إلى شيزر فأشاعوا فيها ذلك.
وسار الأمير أبو عبيدة بالعسكر حتى نزل على الرستن فرآها حصنًا منيعًا وماؤها غزير، وهي مشحونة بالرجال والعدد والعديد؛ فبعث إليهم رسولًا يأمرهم أن يكونوا في ذمته فأبوا ذلك، وقالوا: لا نفعل حتى نرى ما يكون من أمركم مع الملك هرقل، وبعد ذلك يكون ما شاء الله تعالى! فقال الأمير أبو عبيدة - رضي الله عنه: فإنا متوجهون إلى قتال الملك هرقل ومعنا رجال وأمتعة وقد أثقلتنا واشتهينا أن نودعها عندكم إلى وقت رجوعنا، قال: فأتى أهل الرستن إلى بطريقهم، وكان اسمه"نقيطاس"وشاوروه في ذلك، فقال: يا قوم ما زالت الملوك والعساكر يودع بعضهم بعضًا وما يضرنا ذلك! ثم بعث إلى الأمير أبي عبيدة يقول له: مهما كان لك من حاجة فنحن نقضيها ونريد منكم المراعاة لأهل سوادنا حتى نرى ما يكون من أمركم مع الملك هرقل. فقال الأمير أبو عبيدة: ونحن نفعل إن شاء الله تعالى.
.عن ثابت بن قيس بن علقمة قال: كنت ممن حضر عند أبي عبيدة - رضي الله عنه -، فعند ذلك دعا أهل الرأي والمشورة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال لهم: إن هذا حصن شديد منيع ليس لنا إلى فتحه سبيل إلا بالحيلة والخديعة وأريد أن أجعل منكم عشرين رجلًا في عشرين صندوقًا