فهرس الكتاب
إليه آخر فقتله. فقال خالد: اللهم ارعه بعينك واحفظه فإن عبد الرحمن قد اصطلى اليوم الحرب بنفسه، ثم إن خالدًا صاح به: يا عبد الرحمن بحق شيبة أبيك وبيعته إلا رجعت إلى مكانك فرجع حين أقسم عليه! قال حزام بن غنم: قلت لرجل ممن شهد اليرموك: أكانت النساء معكم مشاهدات القتال. قال: نعم إحداهن أسماء بنت أبي بكر زوجة الزبير بن العوام وخولة بنت الأزور ونسيبة بنت كعب وأم أبان زوجة عكرمة بن أبي جهل وعزة بنت عامر بن عاصم الضمري مع زوجها مسلمة بن عوف الضمري ورملة بنت طليحة الزبيري ورعلة وأمامة وزينب وهند ويعمر ولبنى وأمثالهن -رضي الله عنهن- فلقد كن يقاتلن قتالًا يرضين به الله ورسوله.
قال الواقدي: حدثني عبد الملك بن عبد الحميد وكان قد شهد وقعة اليرموك وقال: أولها شرر نار وآخرها ضرام الحرب، وإن كل يوم يأتي من القتال أصعب من اليوم الآخر، قال عمرو بن جرير: فشهدنا في اليوم الأول حربًا يسيرًا وذلك أن ماهان أمر عشرة من الصفوف أن تحمل على المسلمين بعد أن قتل عبد الرحمن من قتل وحمل المسلمون عليهم فالتقت الرجال بالرجال فنظر أبو عبيدة وكان واقفًا إلى ماهان ولم يحمل على المسلمين فعلم أن الأمر يصعب فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وجعل يتلو قوله تعالى:"الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ".
ولم تزل الحرب بين الفريقين من قيام الشمس في قبة السماء إلى أن همَّت بالغروب ولم ينفصل الجمعان حتى فرَّق الليل بينهم، وهم ما يعرفون إلا بالشعار، وخرج كل قوم من العرب يهتفون بشعارهم وينادون بأنسابهم، ورجعت كل فئة إلى مكانها. واستقبل المسلمين نساؤهم فصارت تجعل المرأة مرطها تمسح به عن وجه زوجها وتقول له:"أبشر بالجنة يا ولي الله"، وبات المسلمون في خير وسرور وأوقدوا النيران. وذلك أن القتل في أول يوم لم يتبين في الفريقين، بل قتل من الروم يسير، ومن المسلمين عشرة: رجلان من حضرموت أحدهما يقال له مازن والثاني يقال له صارم، وثلاثة من عسفان: رافع ومجلي وعلي، وواحد من الأنصار وهو عبد الله بن الأخرم، وثلاثة من بجيلة، وواحد من مراد وهو سويد ابن أخي قيس بن هبيرة فحزن عليه قيس لما فقده فعلم أنه في القتلى!