فهرس الكتاب
قال عبد الله بن قرط: فأقمت في المدينة يومين واستأذنته في المسير فزودني من بيت المال وكتب إلى عمرو يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، من عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص. أما بعد: فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي وأسلم على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقد بلغني ما جرى لكم بمصر من غدر عدوكم كما سبق في أم الكتاب، وكان يجب عليك يا ابن العاص أن لا تطمئن إلى عدوك ولا تسمع منه حيلة، وما كنت أعرفك إلا حسن الرأي والتدبير ولكن ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا، فاستعمل النشاط في أمرك ولا تأمن لعدوك واستعمل الحذر فإن الإمام ما يكون إلا على حذر، والله يعيننا وإياك على طاعته، وقد أنفذت إلى أبي عبيدة أن يرسل إليكم جيشًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وختمه وسلمه لعبد الله بن قرط. قال: فأخذته وسرت وأنا أجد السير حتى أتيت مصر، ودفعت الكتاب لعمرو بن العاص فقرأه على المسلمين ففرحوا بذلك وأقاموا ينتظرون إخوانهم.
حدثني ابن إسحق حدثني سهل بن عبد ربه عن موسى عن عبد الرزاق. قال: لما كبس ابن المقوقس جيش المسلمين ورجعت دائرة السوء عليه وقتلوا عن آخرهم وبلغه الخبر بكى على ابن عمه وحلف بما يعتقده من دينه أنه لابد له أن يأخذ بثأرهم، ثم إنه أمر أرباب دولته أن يجتمعوا بالكنيسة المعلقة في داخل"قصر الشمع"فاجتمعوا فجلس على سرير عند المذبح وقام فيهم خطيبًا. فقال: يا أهل دين النصرانية وبني ماء المعمودية اعلموا أن ملككم عقيم وبلدكم عظيم وهذه بلاد الفراعنة ممن كان قبلكم وقد ملكها عدة ملوك ممن احتوى على الأقاليم وملكها مثل الملك المعظم من آل حمير ومثل مستفان والبستق والملحان وهو باني هذه الأهرام، ونمروذ بن كنعان ولقمان بن عاد، وذي القرنين الملك العظيم وانقضى ملكهم منها ورجع إلى سبأ وأرضها وحضرموت وقصر عمان.
ثم تولى هذه الأرض القبط من آبائكم وأجدادكم"أطسليس"و"بلينوس"و"الريان بن الوليد"وهو الذي استخلص يوسف لنفسه، والوليد وهو المكنى ب"فرعون"، وبعدهم"طبلهاوس"ثم جدي"راعيل"، ثم أبي"المقوقس"وجميع ملوك الأرض تحسدنا على ملك مصر وهؤلاء العرب الطماعة، وليس في العرب أطمع منهم. فإني أراكم قد كسلتم وفشلتم عن لقائهم فطمعوا فيكم وفي ملككم كما طمعوا في ملك الشام وانتزعوه من أيدي القياصرة، فقاتلوا