فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 611

قال الواقدي: كان مع أبي عبيدة عشرون ألفًا ومع كل من يزيد وعمرو بن العاص عشرة آلاف. فلما وصل كتاب عمر إلى أبي عبيدة أنفذ إلى يزيد ثلاثة آلاف فارس مع حرب بن عدي وبقي أبو عبيدة في سبعة عشر ألفًا وأكثرهم من اليمن، وكان أبو عبيدة قد صالح أهل قنسرين والعواصم على خمسة عشر ألف مثقال من الذهب ومثلها من فضة وألف ثوب من أصناف الديباج وخمسمائة وسق من التين والزيت، فلما تم الصلح وجاءوا بما ضمنوه من مدينتهم كتب لهم كتابًا وشرط فيه الشروط ودخل أبو عبيدة وخالد في رجال من المؤمنين وسادات المسلمين فخطُّوا بها مسجدًا.

فبلغ ذلك أهل حلب من الصلح لقنسرين ومسير العرب فاضطربوا اضطرابًا شديدًا وكان عليهم رئيسان أخوان لأب وأم وكانا يسكنان في القلعة ولم تكن القلعة محيطة بالمدينة بل كانت المدينة منفردة بذاتها وكان البطريقان يقال لأحدهما يوقنَّا والآخر يوحنَّا وكان أبوهما ملك البلد وأعماله وضياعه ورساتيقه إلى حدود الدروب وإلى حدود الفرات، وقد ملك حلب سنين لا ينازعه فيها منازع. وكان هرقل طاغية الروم يهابه ويوقره ولا يحاربه كل ذلك لبقاء ملكهم واجتماع كلمتهم لأنه كان قد انتزع من رومية إلى أقصى البلاد لئلا يجيِّش عليه أحد جيشًا ولا ينازعه في ملكه لكثرة شره وتدبيره وشدة بني عمه، فلما نزل بالعواصم استخلص لنفسه قلعة حلب وبناها وحصنها ومكن في البلاد، فلما هلك آل الأمر بعده لولده يوقنَّا وكان الكبير وكان شجاعًا بطلًا جامعًا للأموال مقدامًا للحروب لا يصطلى له بنار ولا يدفع شره وكان أخوه يوحنَّا دينًا قد نزع يده من الرياسة وترهب وكان أعلم الناس في أهل زمانه.

وأنه لما بلغهم الخبر أن أبا عبيدة قد قصد إليهم قال لأخيه يوقنَّا: على ماذا عوَّلت؟ قال: على قتال العرب ولا أدعهم يقربون من أرضنا وبلادنا حتى يرى العرب أنِّي لست كمن لقوا من بطارقة الشام ولا من غيرها، وكان يوحنَّا قد درس الإنجيل وقرأ المزامير، وليس له همة إلا عمارة الكنائس والأديرة وتشييد المواضع وكثرة الشمامسة والقسوس والرهبان والقيام بأمورهم، فلما بلغ هذين الأخوين فتح العواصم عنوة وقنسرين صلحًا، وأن العرب نازلون عليها وأن خيلهم تضرب إلى الفرات والعواصم والبقاع؛ فأقبل يوحنَّا على أخيه الأكبر يوقنَّا وقال: يا أخي أريد أن أختلي بك الليلة وأشاورك وأطلعك على سري ورأيي وأشرف على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت